الجمعة، 28 فبراير 2014

حقيقة العذاب الادنى



حقيقة العذاب الأدنى


كثيرا ما يذكر الله في كتابه الكريم العذاب الأكبر، ويتوعد بالعذاب الشديد، فتتداعى على الذهن أسماء هذا العذاب كالحميم والزقوم والغسلين، وتنبعث في القلب صور السلاسل والأغلال والسرابيل والأصفاد، وترد على الفكر مشاهد الحساب والوزن والمساءلة والسوْق إلى الجحيم ... إلى آخر ما هنالك من مشاهد وصور ومواقف وعرصات، ترتعد منها قلوب الذين يخشون ربهم، وتوجل منها نفوس عمرت بطاعة الله، ولعمر الحق إن هذا الوعيد لكاف في ردع النفوس عن الهوى، وزجرها عن الردى.
ولكن تتقحم النفوس في شهواتها، وترتع في مراتع الغي، وتتجاوز الحدود الإلهية، فتجد أن الله سبحانه وتعالى يتوعد المعاندين والمفسدين بعذاب دون عذاب أكبر - لعل النفوس ترجع عن غيها، وتفيق من سكرتها - فيبين أنما أحلّه بالمعاندين من المثلات والنكال في الحياة الدنيا هو من العذاب الأدنى، فقال عز من قائل: ) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(([1]). 
فما العذاب الأدنى ؟ وما حقيقته؟ ولماذا ينزل؟ ومتى ينزل؟ ولماذا ينزل على قوم وينجو منه آخرون؟.
فالعذاب:هو النكال والعقوبة يقال: عذبته تعذيبا وعذابا.([2])
وفي هذه الآية الكريمة التي عليها مدار البحث جاء لفظ الأدنى، للتعبير عن العذاب الدنيوي، ولفظ الأدنى يقابله الأقصى، والأكبر يقابله الأصغر, فما الحكمة في مقابلة الأدنى بالأكبر في سياق الآية هذه الكريمة؟ قال الفخر الرازي عفا الله عنه موضحا الحكمة من ذلك:(حصل في عذاب الدنيا أمران: أحدهما أنه قريب، والآخر أنه قليل صغير , وحصل في عذاب الآخرة - أيضا- أمران: أحدهما أنه بعيد، والأخر أنه عظيم كثير , لكن القرب في عذاب الدنيا هو الذي يصلح للتخويف به , فإن العذاب العاجل و إن كان قليلا قد يحترز منه بعض الناس أكثر مما يحترز من العذاب الشديد إذا كان آجلا , وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه بعض الناس، ويستبعد الثواب العظيم الآجل، وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف به هو العظيم والكبير، لا البعيد لما بيّنا، فقال في عذاب الدنيا  )العذاب الأدنى( ؛ ليحترز العاقل عنه، ولو قال: )لنذيقنهم من العذاب الأصغر ( ما كان يحترز عنه؛ لصغره وعدم فهم كونه عاجلا، وقال في عذاب الآخرة: الأكبر؛ لذلك المعنى , ولو قال: دون العذاب الأبعد الأقصى لما حصل التخويف به، مثل ما يحصل بوصفه بالكبر , و بالجملة فقد اختار الله تعالى في العذابين الوصف الذي هو أصلح للتخويف من الوصفين الآخرين فيهما، لحكمة بالغه). ([3])
أما حقيقة العذاب الأدنى: فهو كل عذاب عذب الله به أمة من الأمم أو فردا من الأفراد، في دار الدنيا أو في دار البرزخ،([4]) وسواء أكان هذا العذاب عاما كعذاب قوم نوح، أم كان خاصا، كما حصل لقارون، وسواء كان حسيا كالغرق والخسف والمسخ والزلزلة والصيحة، أم كان معنويا، كطمس الأبصار، والختم على القلوب، والطبع عليها، وعدم إجابة الدعاء، وتسليط الشياطين، وسواء أكان هذا الذنب تطاولا على الخالق كالشرك، وتكذيب الرسل، أم كان تعديا على المخلوقين كقتل المستضعفين، والتطفيف في الموازين، وقد يعجل الله العقوبة ويباغت بالذنب قال تعالى:) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ(([5]). وقال سبحانه وتعالى: )أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ(([6]) .
  وقد يجمع الله على المعاندين عذاب الدنيا وعذاب البرزخ، كما قال الله سبحانه وتعالى مخبرا عن قوم فرعون وأنه سلط الله عليهم الطوفان والجراد والقمل:)فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ(([7]). وقال جل ثناؤه عن عذابهم في قبورهم:)النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(([8]) فالنار التي يعرضون عليها غدوا وعشيا؛ إنما يعرضون عليها وهم في قبورهم، كما سيأتي تفصيله، إن شاء الله .
وقد يتأخر العذاب الدنيوي، ويظن المغرور أنه على خير؛ خاصة إذا رأى نعم الله متوالية عليه، ومننه مترادفة إليه، ولا يعلم أن ما بينه وبين عذاب الله إلا كلمح البصر، كما وقع لقوم لوط عليه السلام حينما كذبوه وخالفوا أمره، فدعا ربه عليهم؛ فإذا المراسيم الإلهية تتنزل بهلاكهم (فو الله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر وطلوع الفجر؛ وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها ورفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب، ونهيق الحمير، فبرز المرسوم الذي لا يرد، من عند الرب الجليل، على يدي عبده ورسوله جبرائيل، بأن يقلبها عليهم، كما أخبر به في محكم التنزيل، فقال عز من قائل:) فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ(([9])  فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالا وسلفا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين).([10])  
وقد يؤجل العذاب إلى الدار الآخرة؛ زيادة في النكال: )وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(([11]). ويحسب الكافر أن ما يملي له الله خير لنفسه)وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(.([12]) ويظن من لا خلاق له ولا علم عنده أنهم على هدى مستقيم؛ لما يرى من تمتعهم بالحياة، وسلامتهم من النكال، ولا يعلم أن ما هم فيه من متاع الحياة إنما هو من تعجيل جزائهم على أعمالهم، قال تعالى:)وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ(.([13])  قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:( فجوزوا من جنس عملهم، فكما متعوا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي؛ جازاهم الله تبارك وتعالى بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة، والمنازل في الدركات المفظعة). ([14]) وقال تعالى موضحا أن ما يرزقون في هذه الحياة من المال والبنين وسعة العيش؛ إنما هو من المسارعة لهم في جزاء أعمالهم: )أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ(([15])    
ويتنزل التوجيه القرآني تسلية للنبي r وللمؤمنين ألا يحزنهم تمتع الذين كفروا، ولا يغرنهم تقلبهم في البلاد ) لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(.([16]) وما ربك بظلام للعبيد؛ فهؤلاء قوم عملوا للحياة ، ونذروا أنفسهم للحياة، رغبوا أن تكون حسناتهم في هذه الحياة ؛ فكان الجزاء من جنس العمل قال تعالى:)مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(([17]).
ويقول الشيخ محمد العثيمين رحمه الله:(إن كثيرا من الناس اليوم يعزون المصائب التي يصابون بها - سواء كانت المصائب مالية اقتصادية, أو أمنية سياسية - يعزون هذه المصائب إلى أسباب مادية بحتة, إلى أسباب سياسية أو أسباب مالية أو أسباب حدودية. و لا شك أن هذا من قصور أفهامهم، و ضعف إيمانهم، وغفلتهم عن تدبر كتاب لله وسنة رسوله r ، إن وراء هذه الأسباب  أسبابا شرعية , أسبابا لهذه المصائب أقوى و أعظم تأثيرا من الأسباب المادية، لكن قد تكون الأسباب المادية وسيلة لما تقتضيه الأسباب الشرعية من المصائب و العقوبات. قال تعالى:) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (([18]).
وهذه العقوبات التي ذكرنا طرفا منها – وسيأتي تفصيلها – يلاحظ القارئ أن بين الذنب وبين العقوبة تناسبا عظيما، فإذا منع العباد زكاة أموالهم؛ منعوا القطر من السماء، وإذا تركوا التحاكم إلى كتاب الله؛ جعل الله بأسهم بينهم، وإذا طلب كثرة المال من طريق الربا، محق الله أمواله، وقد قال ابن  ابن القيم رحمه الله:(فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه، وأوفقها للعقل، وأقومها بالمصلحة،...إلى أن يقول: وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتها، ولا يكاد الرب تعالى يجمع على عبده بين العقوبتين إلا إذا لم يف أحدهما برفع موجب الذنب). ([19])   
ويقول أيضا: (والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوع: إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما، وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت، وعقوبات يوم عود الأجسام في الدار الآخرة، فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة؛ لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحى أحس بالمؤلم، فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق علي النار، والكسر على الانكسار، وقد تقارن المضرة الذنب، وقد تتأخر عنه إما يسيرا وإما مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أن يقارنه، وكثيرا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقيبه، ولا يدري أنه يعمل، وعمله على التدريج شيئا فشيئا، كما تعمل السموم والأشياء الضارة حذو القذة بالقذة).([20])   


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق