الخميس، 20 مارس، 2014

القطيعة الإبستيمولوجية بين التراث و الحداثة عند الجابري





القطيعة الإبستيمولوجية  بين التراث و الحداثة عند الجابري 



ان تفسير الجابري للطريقة التي يتعامل بها مع إشكالية "التراث و الحداثة" اقتضى منه إكتشاف المنهج طبقا لطبيعة الموضوع, الذي سيعمل به على حل و فك تغز هذه الإشكالية, مما خول أن يعطي رؤية واضحة و قراءة جديدة للتراث؛ و مما سمح له انطلاقا من المنهج والرؤية,أن يحدد الوسيلة التي ينبغي بها التعامل مع قضية "التراث و الحداثة".
 قام الدكتور محمد عابد الجابري بالعودة إلى التراث, فهو لم يقم بذلك من أجل التراث و سوادا لعيونه, كما يُقال, و إنما خدمة للحداثة , بل إن مشروع الجابري كله جاء خدمة لمسألة الحداثة. ولكن ما كان ليتم ذلك إلا بالنظر أولا في التراث و دراسته دراسة عميقة واستلهامه إلى حد العودة إلى جذوره, محاولا في ذلك أن يفعل ما فعله ميشيل فوكو مع مجموعة من المواضيع, كالسلطة و المعرفة و الجنس و الجنون, معتمدا في ذلك على المنهج الأركيولوجي كمنهج و الجينيالوجيا كهدف وغاية, وقد بدا هذا الأسلوب واضحا عند فوكو في كتاب "الكلمات و الأشياء"؛ و قد بدا واضحا هذا الأسلوب في رباعيته في "نقد العقل العربي". هذا من جهة, ومن جهة أخرى, فإن الجابري حاول أن يتعامل مع إشكالية العلاقة بين "التراث و الحداثة", كما تعامل غاستون باشلار مع  إشكالية الانفصال في تاريخ العلوم بتوظيفه لمفهوم " القطيعة الإبستيمولوجية" أي "القطيعة المعرفية".
          إن مفهوم القطيعة في المعرفة يفرض نفسه بشكل قوي و مثير نظرا لما يكتسيه هذا المفهوم الرَّحال سواء في علم النفس, و علم الإجتماع, و الإبستيمولوجية المعاصرة؛ إذ يعتبر باشلار أن التاريخ الفعلي للعلوم, تاريخ يعرف فتراث التعثر أو النكوص من جهة أولى, و من جهة ثانية, يعرف فترات انتقال كيفية. فإذا كان مفهوم النكوص العائق الإبستيمولوجي يفسر لنا  المظاهر الأولى (النكوص أو التراجع...), فإن مفهوم القطيعة الإبستيمولوجية هو المفهوم الذي في نظر باشلار عن مستويين في القطيعة الابستيمولوجية. على المستوى الأول, حيث توجد القطيعة الابستيمولوجية بين المعرفة العامية و المعرفة العلمية, أم على المستوى الثاني, فهناك قطيعة إبستيمولوجية تتحقق مع النظريات العلمية المعاصرة, بين النظريات و العلوم الفيزيائية, بين علم القرون السابقة وعلم الفكر الجديد, أي بين الفكر العلمي القديم و الفكر العلمي الجديد. (...) فهناك إذن قفزة نوعية حققتها النظريات في  العلمي المعاصر و لا يمكن فهمها كاستمرار أو كتطوير للعلم السابق عليها, فالهندسات اللاأقليدية في العلوم الرياضية و الميكانيكا النسبية و ميكانيكا الكوانتا في العلوم الفيزيائية كلها شكلت قطائع إبستيمولوجية في فكر العلم الحديث (ق.17). وتتمظهر القطيعة الابستيمولوجية في ثلاثة مظاهر: فهي تعني قيام فكر علمي أكثر شمولا, على المستوى الأول (بمعنى احتواء العناصر الإيجابية في العلم السابق), و تعني على المستوى الثاني, مراجعة المفاهيم الأساسية للعلم السابق عليها ( مراجعة مفاهيم  الخط, الزمن, المكان, والمستقيم...), و على المستوى الثالث, قيام فكر علمي أكثر تفتحا(1).  
          لعل أكثر من عرف بمفهوم القطيعة المعرفية في المجال العربي, هو الدكتور محمد عابد الجابري الذي لا يخفي أخذه هذا المفهوم من المفكر الفرنسي غاستون باشلار, ونقله من مجال تاريخ العلم إلى مجال تاريخ الفلسفة, وتحديداً تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية, وإعطائه بعداً أوسع من البعد الذي كان يعطى له في المجال العلمي من جهة المعنى.
          وأشار الدكتور الجابري لهذا المفهوم, وعرف به في كتابه (نحن والتراث) الصادر سنة 1980م, وذلك في محاولة منه لتطبيقه في قراءة التراث الفلسفي العربي الإسلامي, بقصد تكوين قراءة معاصرة لهذا التراث, منطلقاً من خلفية أساسية يقررها بقوله (إن تجديد العقل العربي يعني في المنظور الذي نتحدث فيه, إحداث قطيعة إبستيمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط, وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر).
          وارتبطت قراءة الجابري للتراث بهذا المفهوم الذي تمسك به, وانجذب إليه, وظل مدافعاً ومنافحا عنه أمام منتقديه, وبات يشكل مدخلاً في تكوين المعرفة بهذه القراءة, وفيصلاً للتفرقة مع القراءات الأخرى, بحيث لا يمكن تكوين المعرفة بهذه القراءة بعيداً عن هذا المفهوم, كما لا يمكن نقدها أيضاً خارج نطاق هذا المفهوم.
وحسب رؤية الجابري فإن القطيعة مع التراث لا تعني القطيعة بمعناها اللغوي الدارج, وإنما تعني في نظره التخلي عن الفهم التراثي للتراث, أي التحرر من الرواسب التراثية في عملية فهم التراث. وبمعنى آخر أن القطيعة التي يدعو إليها الجابري ليست قطيعة مع التراث, بل قطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث, القطيعة التي تحولنا حسب قوله من كائنات تراثية, إلى كائنات لها تراث.
       وظهر الجانب التطبيقي لهذا المفهوم حين درس الجابري العلاقة بين ابن رشد وابن سينا في داخل الفلسفة الإسلامية, متخذاً من محاولة الفيلسوف الفرنسي ألتوسير في تطبيق هذا المفهوم على العلاقة بين ماركس وهيغل في داخل الفلسفة الأوروبية الحديثة نموذجاً.
          في هذا الدرس وجد الجابري أن ابن رشد لا يمثل تكملة لابن سينا, ولا استمرارا له, بل هو ثورة عليه, ويسمي هذه الثورة قطيعة من ناحية النقد الايبستيمولوجي لتاريخ الفلسفة, أي أن ابن رشد قطع مع ابن سينا الذي كان يمثل قمة الفلسفة في المشرق, بحيث لا يمكن العودة من ابن رشد إلى ابن سينا أو الفارابي, مثلما يمكن العودة من الملا صدرا الشيرازي إلى السهروردي مباشرة ثم إلى ابن سينا فالفارابي.
          وعلى هذا الأساس يعتقد الجابري أن الفلسفة في الأندلس, وخلافاً لما كان جارياً ليست استمراراً للفلسفة في المشرق, وتبين له حسب قوله أنه قد نشأت في الأندلس مدرسة تختلف تماماً عن المدرسة الفلسفية في المشرق, لا من جهة المضمون الفلسفي والمضمون الأيديولوجي اللذان يختلفان على كل حال من مكان إلى مكان, ومن زمان إلى زمان, ولكن من جهة المنهج والرؤية والإشكالية.
هذا التصور أثار ردة فعل سلبية في المشرق العربي, واعتبره البعض أنه كرس ضرباً من القطيعة بين المغرب والمشرق, وأظهر تحيزاً واضحاً إلى جانب المغرب في مقابل المشرق, وكأنه جاء ليضع حداً لما يقال عن تبعية المغرب إلى المشرق, وليعيد الاعتبار إلى المغرب, بل ويعلن عن تميزه وتفوقه أيضاً, بوصفه يمثل مشروعاً ثقافياً ذا طابع عقلاني, في مقابل مشروع ثقافي مشرقي ذي طابع غنوصي غير عقلاني.
          الكلام الذي دفع البعض لتصوير هذا الموقف بأنه ضرب من الشوفينية المغربية, الأمر الذي يفسر شدة الحنق والانفعال من ذلك الكلام.
          الموقف الذي استغربه الجابري واندهش منه, واضطره على أن يوضح هذه المسألة من جديد في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه (نحن والتراث) الصادرة سنة 1981م, لكنه التوضيح الذي أعاد فيه الجابري ما سبق أن ذكره من قبل, وأكد عليه, فجاء توضيحه دفاعياً في المنحى العام.
          في هذا التوضيح أشار الجابري إلى أنه استعمل مفهوم القطيعة المعرفية بطريقة إجرائية لا غير, ساعدته كما يقول في تكوين إدراك أعمق لخصوصية فكر المشرق, وخصوصية فكر المغرب, ومكنته من ملاحظة أشياء لم يكن يلحظها من قبل. وأراد الجابري من هذه الملاحظة التأكيد على أمر مزدوج, على تفريغ قراءته للتراث من الطابع الأيديولوجي, وإعطائها الطابع المعرفي من جهة, وعلى إلباس الطابع الأيديولوجي لموقف الناقدين له من جهة أخرى. بمعنى أن الجابري أراد القول أن المشكلة ليست مشكلته الذي لم يكن أيديولوجياً في قراءته, وإنما هي مشكلة النقاد الذين نظروا إلى كلامه من زاوية أيديولوجية, وأهملوا الجانب الإجرائي. ومن جانب آخر, وفي سياق الرد والتوضيح يرى الجابري أنه استعمل مفهوم القطيعة المعرفية لكي يتجنب استعمال مفهوم الخصوصية لأنهما يختلفان تماماً, فالخصوصية في نظره تحيل إلى الشروط الاجتماعية والتاريخية ومن ضمنها الخصائص القومية, في حين أن مفهوم القطيعة الابستيمولوجية يجعل التحرك داخل نفس الثقافة وبعيداً عن الاعتبارات القومية. وبالتالي فلا معنى في رأيه للتخوف من انزلاق هذا المفهوم إلى تكريس نزعة شوفينية(2), وهذا رد الجابري في من يتهمونه بالشوفينية, يقول: « بصدد المغرب و المشرق أريد أن أرفع التباسا لست أدري من أين جاء مصدره لدى بعض النقاد, وهو ما قيل من أنني شوفيني مغربي متعصب للمغرب. أعتقد أن هذا لا أساس له إطلاقا, على الأقل في فكري وفي وجداني. لا أعتقد أن هناك في المغرب الراهن و لا في المغرب الماضي من يقول أو يشعر بهذا النوع من الشوفينية, فنحن مدينون للمشرق من الناحية الثقافية, من أول الأمر إلى آخره, و المشرق و المغرب يشكلان كلاً واحدًا  وهو الثقافة العربية, وداخل الثقافة العربية, أيضا, يمكن أن نتحدث عن خصوصيات أو عن مراحل و عن قطائع, فعندما أتحدث مثلا, عن ابن رشد و أبرزه كشخصية عقلانية يجب أن تحتذى و أتحدث عن ابن سينا كفلسفة مشرقية يجب أن تترك, فأنا لا أتعصب للمغرب على المشرق باعتبار أن ابن رشد مغربي و ابن سينا مشرقي,لا, ربما العكس هو الصحيح, فإبن رشد عربي, أما ابن سينا فمخضرم على الأقل, عربي اللسان لكنه غير عربي المولد»(3). فإذن لابد من إزالة هذا الالتباس لأن إجرائية هذا المفهوم ينحصر مفعولها في الميدان الايبستيمولوجي المحض, ولا يتعداه إلى غيره.
          إن إرادة القطع مع التراث بخصوص تجربة الحداثة يعد بعدا من أبعاد التفكير الحداثي. ولكن منطق التقليد، ليس هو وضع الحداثة في إطار نسبي وتاريخي يخص كل شعب على حدة بعيدا عن النموذج الأعلى، بل هو القول بأن الحداثة لا يمكن أن تتأسس إلا من داخل التراث. وذلك مجرد إنتاج وعي خصوصي أزموي ينسى طبيعة النسق الكوني المتميز بقوانين صارمة. وهذا التفكير ذاته غير تنويري وغير حداثي بل يعوق الحداثة وكل إمكانية وعي بعوائقها الذاتية والموضوعية. فبين الخصوصية الضيقة والانفتاح المطلق على الآخر، ينهار كل وعي فلسفي-تاريخي بإشكالية الحداثة باعتبارها في حاجة لتأصيل فعلي عقلاني بعيدا عن أطروحة الأصل المطلق أو التغريب الجارف للذات.(...) . فالحداثة إذن مشروع يتطلب البناء والتقعيد الشامل وفق أسس فلسفية إبداعية ووفق نظرة جديدة للكون والحياة والإنسان، بل للاقتصاد والمجتمع والثقافة، بعيدا عن التبشير والأدلجة، لأن ذلك لا يخدم إلا قوى التقليد(4).
          إن طريق الحداثة عند الجابري لا يلزم أن يكون استكراهيا, بل ينبغي أن يكون طريقا حواريا نقديا, الحوار مع التراث و نقد, فلا يمكن أن نعطي ظهرانينا للتراث و نضعه في المتاحف و نتفرج عليه. هذا ما ترفضه القطيعة الابستيمولوجية التي يدعو إليها الجابري. إنها قطيعة لا تلغي التراث, بقدر ما تحييه وتعيد قراءته و تحاول أن تجعله معاصرا لنا و لنفسه في نفس الوقت. إن القطيعة تتحقق عند الجابري « عندما لا يمكن أن نرجع القهقري من الجديد إلى القديم»(5). وهذه القطيعة تتم أيضا على مستوى المفاهيم, فرغم أن المفاهيم المستعملة, مثلا, عند ابن رشد و ابن سينا نجدها متشابهة, لكننا نجدها تحمل مضامين مختلفة و لها استعمالات مختلفة. وإذا ذهبنا بعيدا من هذا فإن القطيعة الإبستيمولوجية عند الجابري تسعى إلى تحقيق "الاستقلال التاريخي"  للمجتمع العربي و الإسلامي, أي التحرر من الآخر الذي طالما نقلده ثم من التراث الذي سجننا في "سجونه العتيقة", و نتحرر منها و ذلك بامتلاك حس وفحص نقدي. ومع ذلك « فـ "الاستقلال التاريخي..." لا يتناقض مع تفتحنا على الفكر العالمي و لا مع التراث, بل الاستقلال التاريخي يعني التعامل معها تعاملا نقديا, تكون خلاله الذات مالكة لزمام أمرها, غير مندمجة في موضوعها, بل تعمل على دمجه فيها, على احتوائه و امتلاكه بقدر حاجتها و حسب نوع هذه الحاجة»(6). لقد ثبت إذن عند الجابري أن الرجوع إلى التراث إنما هو رجوع من أجل انتقاده, فيلزم بذلك إدخال التراث في التاريخ حتى ندخل أنفسنا من خلاله في التاريخ « و إننا ما لم نؤسس ماضينا تأسيسا عقلانيا فلن نستطيع أن نؤسس حاضرا و لا مستقبلا بصورة معقولة»(7). و يقول في موضع آخر, ما يجري مجرى هذا الكلام: « إنه بممارسة العقلانية النقدية في تراثنا و بالمعطيات المنهجية لعصرنا, و بهذه الممارسة وحدها, يمكن أن نزرع في ثقافتنا الراهنة روحًا نقدية جديدة و عقلانية مطابقة»(8) .
          إن القطيعة مع التراث لا تعني إلغاؤه, لأن إلغاءه هو إلغاء لمطامح الأمة, و الحال أنه لا يمكن أن يتم إلغاء التراث إلا بتحقيقه يقول الجابري: « إن إلغاء المطالبة بالشورى والعدالة الإجتماعية و شجب الربا و المضاربات الاقتصادية المحرمة – أي التي ترسخ الحيف الاجتماعي...الخ,لا يمكن أن يتم إلا بالتحقيق الفعلي لهذه المطالب. ذلك ما نعنيه بضرورة إلغائه. التراث عندما يحقق لا يبقى تراثًا- أي صورة نموذجية ممجدة- بل يصبح واقعا متناميا يتأسس عليه وعي جديد ينظر إلى الماضي و الحاضر و المستقبل بمنظور جديد. (...) و بعبارة أخرى إن تحقيق التراث يتطلب عدم التقوقع فيه و الوقوف عنده, بل تطويره و تطويعه بالشكل الذي يسمح بتحقيقه على ضوء متطلبات العصر و ظروفه. إنه النزول به  من "ميدان العقل" إلى "ميدان الواقع", من التصور النموذجي المثالي إلى التطور التاريخي. و الخطوة الأولى في هذه الطريق هي إعادة قراءة التراث نفسه, إعادة تقييمه على ضوء الواقع الذي أنتجه. لابد إذن من التاريخ, بل لابد من بناء التاريخ. و بعبارة أخرى لابد من تصحيح وعينا بتاريخنا»(9).
          إن التجديد الذي يدعو إليه الجابري للعقل العربي يمكن في إحداث "قطيعة إبستيمولوجية" تامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط وامتدادها إلى الفكر العربي الحديث و المعاصر.و" القطيعة الابستيمولوجية " ليست بالمعنى الذي تقدمت به  «الأطروحة الفاسدة المنادية بإلقاء التراث في المتاحف أو تركه "هناك" في مكانه من التاريخ»(10), بل "القطيعة الابستيمولوجية" بمعناها الذي يتناول فيه "الفعل العقلي". فقد ثبت إذن أن "القطيعة الابستيمولوجية" تتحقق « عندما يكون الاختلاف عميقا و جذريا, أي عندما يبلغ نقطة اللاَّرجوع, النقطة التي  لا يمكن الجوع منها إلى الطريقة السابقة, نقول: أن هناك قطيعة إبستيمولوجية», و يسترسل الراحل كلامه في نفس السياق بقوله: « نحن  لا ندعو إذن إلى القطيعة مع التراث, "القطيعة بمعناها اللغوي الدارج...كلا. إن ما ندعو إليه هو : التخلي عن الفهم التراثي للتراث, أي التحرر من الرواسب التراثية في عملية فهمنا للتراث, وعلى رأس هذه الرواسب "القياس" النحوي- الفقهي- الكلامي»(11). و يقول في موضع آخر « تكون القطيعة عندما يكون هناك اتصال, وليس من الضروري أن يكون زمنيا, لكنه اتصال على صعيد معرفي»(12).
          لا سبيل إلى التخلُّص من سلطة تراث الماضي المتخلِّف، ووضع حدٍّ لتحكمه في حاضرنا ومستقبلنا، والدخول في حداثة العصر، إلا بإحداث قطيعة معرفية معه بحيث نتوسَّل بعقل الحداثة، فلا سلطة إلا للعقل الذي يتخذه العلم الحديث مصدراً وحيداً ولا سلطة إلا لضرورات الواقع. إن فالقطيعة التي يدعو إليها الجابري " ليست القطيعة مع التراث بل القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث، القطيعة التي تحوّلنا من كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث".
نحن أمام التراث ، في رأي الجابري ، كنا نقف الموقف المُتماهي مع التراث حدّ السلطة المطلقة على حاضرنا والذي يمكن أن يؤثر على مستقبلنا . وهذا بالطبع ما يرفضه الجابري رفضا قاطعاً . وهو في المقابل يرفض الأطروحات الفاسدة على حد تعبيره والتي تدعو إلى القطيعة التامة مع التراث ووضعه في ركن من أركان المتاحف التراثية. والمسألة في رأيه هنا أننا كفكر عربي معاصر نفتقد إلى الدراسة التاريخية. يقول في كتابه" نحن والتراث" : « اندماج الذات في التراث شيء، واندماج التراث في الـذات شيء آخر. أن يحتوينا التراث شيء وأن نحتوي التراث شيء آخر...»(13).
          و خلاصة القول في هذا الفصل, فإن الحداثة في جوهرها هي استعادة للتراث عن طريق مساءلته وان مفهوم القطيعة مع التراث هو قطيعة مع آليات التعامل معه بحيث تمكننا الآليات الحديثة التي نتعامل بها من استعادة وعينا بالتراث على نحو يمكننا من ربط الحاضر بالماضي وتجسير الهوة التي تقع بيننا وبين المستقبل. فالتراث ، في رأي الجابري ، القنطرة التي تقـودنا إلى المسـتقبل فيما لو حاولنا عقـْلنة هذا التراث ومساءلته مساءلة منطقية.
          والتأصيل في نظره هو "عملية التبيئة الثقافية" ومحاولة إرساء المرجعية داخل ثقافتنا، للمفاهيم التي تشكل قوام الحداثة، وذلك بربطها بما قد يكون لها من أشباه ونظائر في تراثنا، وإعادة بناء هذه، بطريقة تجعل منها مرجعية للحداثة عندنا.
          ذلك أن ما هو مطلوب منا، إزاء ما ننقله، سواء أتعلق الأمر بالأفكار والنظريات أم بالنظم والمؤسسات، هو العمل على تبيئتها في وسطنا واستنباتها في تربتنا. لا يتعلق الأمر بإثبات سبق للفكر العربي في جميع الميادين، ولا بمحاولة إيجاد المفهومات ذاتها هنا وهناك، وإنما بالقيام بمجهود فكري غير يسير متعدد الواجهات يطلق عليه صاحبه "تجديد ثقافتنا من داخلها". وهذا "التجديد من الداخل" يتبع استراتيجية ذات ثلاثة أبعاد: نقد التراث، ونقد الحداثة نفسها والكشف عن مزالقها ونسبية شعاراتها، ثم التأصيل الثقافي للحداثة في فكرنا ووعينا.
          ذلك أن طريق الحداثة عندنا "يجب أن تنطلق حسب هذا الموقف من الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها، وذلك بهدف تحريك التغيير فيها من الداخل. فلا يعني التحديث هنا "القطيعة مع الماضي بقدر ما يعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسميه بالمعاصرة. وهذا ما يمكن أن ينقذنا من مخاطر الحداثة الرائجة عندنا، والتي «تستوحي أطروحاتها وتطلب المصداقية لخطابها من الحداثة الأوروبية التي تتخذها "أصولا" لها».
          وإن السؤال الأساس الذي يطرحه محمد عابد الجابري، الذي هو خير من يمثل هذا الموقف، هو «كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد ويستوعب الجوانب العقلانية في تراثه، ويوظفها توظيفا جديدا؟».
          فهو يصرح أن اهتمامه بالتراث يستجيب لحاجة عملية يفرضها وضعنا الحالي. كما يعلن أن استراتيجيته لا تبغي الهدم وإنما تبحث «عما يمكن أن يساهم في إعادة بناء الذات العربية، وهي المهمة المطروحة في الظرف الراهن». إنه، كما يقول، يروم تدشين عصر تدوين جديد "تعاد فيه كتابة التاريخ الثقافي العربي بتوجيه من طموحاتنا، نحن العرب، في التقدم والوحدة"، لذا فهو لا يجد مفرا من العودة إلى التراث، ومن الوقوف عند عصر التدوين، لا كلحظة ممتازة من لحظات التاريخ الكرونولوجي، ولا كعصر مضى، وإنما من حيث هو عصر «حاضر في الماضي العربي الإسلامي السابق له، وفي كل ماض آخر منظور إليه من داخل الثقافة العربية الإسلامية، كما هو حاضر في مختلف أنواع الغد التي أعقبته«. العودة إلى الأصول إذن تعني متابعة الكيفية التي ترسخت بها «طرق في العمل والإنتاج، وأساليب في الإقناع ومقاييس للقبول والرفض «.
          لكي تغدو هاته العودة إلى الأصول تأصيلا ينبغي "جعل التراث معاصرا لنا" كما يقول صاحب هذا الموقف، ومحاولة إرساء المرجعية داخله للمفاهيم التي تشكل قوام الحداثة. يقوم تأصيل المفهوم إذن على نقله إلى ثقافتنا و«إعطائه مضامين داخلها تتناسب مع المضامين التي يتحدد بها أصلا في الثقافة الأوروبية التي منها نقلنا هذا المفهوم»(14

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق