الجمعة، 7 مارس، 2014

دور الحضارة الإسلامية في تقدم اوروبا




         يطلق اسم العصور المظلمة في التاريخ الأوربي على الشطر الأول من العصور الوسطى خلال الفترة الواقعة بين سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في أواخر القرن الخامس الميلادي وقيام ( النهضة الوسيطة ) في أواخر القرن الحادي عشر . وقد رانت على أوربا خلال هذه القرون الستة سحابة كثيفة الإظلام من التخلف الحضاري : توارت معالم الحضارة الرومانية تدريجياً من إيطاليا وفينيسيا وأسبانيا وانجلترا وغيرها من البلاد التي كانت خاضعة للإمبراطورية الرومانية , واضمحلت المدن الزاهرة وأغلقت المدارس وانتشرت الجهالة . ولم يبق أثر للحضارة والعلم والثقافة في أوربا الغربية إلا بصيص خافت يبعث من المؤسسات الدينية الجديدة مثل المدارس الديرية والمدارس الأسقفية أو الكاتدرائية . وكانت البابوية تشرف على توجيه الدراسة في هذه المدارس وتخطط للسياسة التعليمية فيها بما طبع الثقافة بطابع ديني ضيق متزمت([1])وقد ساعد على انتشار الجهل والانحطاط العلمي أن الجرمان الذين أقاموا لهم ممالك في غرب أوربا على أنقاض الدولة الرومانية كانوا يظهرون نفوراً شديداً من التعليم([2]) , كما أن بعض الباباوات كانوا لا يشجعون سوى الدراسات الدينية المسيحية ويحاربون ما عداها من دراسات محاربة عنيفة لا هوادة فيها . وكان من بين هؤلاء الباباوات البابا الذي أطلق عليه مؤرخو العصور الوسطى جريجوري العظيم .
         حدث هذا في الوقت الذي كان فيه المسلمون يمضون قدماً في إقامة بنيان حضاري شامخ , ويضربون أروع الأمثلة في حرية الفكر وتشجيع البحوث وسرعة التطور . وقد كان أثر الإسلام والمسلمين في التاريخ خلاقاً مبدعاً لم يقف عند حد التغيرات السياسية التي أحدثوها في أوضاع العالم المعروف , وإنما كان هذا الأثر أشد ما يكون وضوحاً في الميدان الحضاري([3]).
         وقد أخذت الحضارة الإسلامية تزحف إلى أوربا منذ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي , وسلكت في طرقها عدة معابر أهمها ثلاثة , وهي شبه الجزيرة العربية أولا, وجزيرة صقلية ثانياً , وبلاد الشرق الأدنى وما ارتبط بها من حروب صليبية ثالثاً.
         فلما أفاقت أوربا الغربية في أواخر القرن الحادي عشر من سبات الفترة المظلمة وجدت نفسها أمام حضارة إسلامية عملاقة أسهمت بنصيب موفور في كل ميادين العلم والمعرفة , وكان أن هرع طلاب العلم من مختلف أنحاء أوربا الغربية إلى مراكز الحضارة الإسلامية ينهلون من مواردها : يدرسون ويترجمون ويقتبسون الكثير من معالم الحضارة الإسلامية . وقد ترتبت على هذه الدراسة والترجمة ولاقتباسات نتيجة هامة , هي قيام وثبة حضارية ازدهرت في القرن الثاني عشر يطلق عيها اسم ( النهضة الوسيطة ) إلى تمهيد طريق الرقي وتحرير العقل الأوربي من القيود الثقيلة التي فرضتها عليه الهيئات والأنظمة المختلفة , وأصبحت النفوس مهيأة لقبول الانقلاب العظيم الذي حدث بعد قرن وبعض قرن , أي في بداية القرن الرابع عشر , ونعني بهذا الانقلاب النهضة الأوربية الحديثة.
         إن الحضارة الأوربية الحديثة نستمد أصولها من النهضة الأوربية التي بزغت في إيطاليا منذ مطلع القرن الرابع عشر , وهذه ترجع جذورها إلى النهضة الوسيطة في القرن الثاني عشر والتي هي ثمرة من ثمار الاتصال الحضاري بين أوربا الغربية وبين مراكز المدينة الإسلامية . ومعنى ذلك أن الحضارة الأوربية الحديثة قامت على أساس واضح من المنية الإسلامية بجميع فروعها ومظاهرها.


[1] - أدخلت الكنيسة في البرامج التعليمية ما يسمى الفنون السبعة الحرة , وهي : النحو والبلاغة  والجدل والحساب والهندسة والفلك والموسيقى . وكان تدريس هذه المواد يقوم على أسس مسيحية , لأن المدارس تحولت في أوربا الغربية إلى تحقيق هدف واحد هو تخريج رجال الذين بعد إعدادهم للقيام بمهتم في المجتمع , وهي إفهام الناس روح الإنجيل.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق