السبت، 1 مارس، 2014

وقوع البأس فيما بين الظالمين الكافرين



وقوع البأس فيما بينهم

 بين سبحانه وتعالى أن مما توعد به عباده أن يسلط بعضهم على بعض، وأن يلبسهم شيعا يقتل بعضهم بعضا، قال تعالى:)قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ(([1])، وأخبر سبحانه وتعالى أنه جعل بأس اليهود فيما بينهم، فقال عز من قائل: )بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى(([2]).
   ومن رحمة الرسول  بأمته أن سأل ربه أن لا يجعل بأس أمته فيما بينها؛ فمُنِعَ إياها لحكمة عظيمة لا نعلمها، فالحمد لله على قضائه وأمره، فقد روى الإمام مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا، فقال r :( سألت ربي ثلاثا، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)([3]).
واخرج ابن جرير رحمه الله من طريقه عن أبي العالية في قوله:)قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ( الآية. قال: (فهن أربع، وكلهن عذاب، فجاء منهن اثنتان بعد وفاة رسول الله بخمس وعشرين سنة، فأُلْبِسوا شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان فهما لا بد واقعتان يعني الخسف، والمسخ) ونقل مثل ذلك عن أبي بن كعب t ([4]) .
ولما وقف عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم على ما غنمه المسلمون من الفرس، فلما رأوه كشطوا الأنطاع عن الأموال، فرأى عمر رضي الله عنه منظرا لم ير مثله، رأى الذهب فيه والياقوت والزبرجد واللؤلؤ يتلألأ، فبكى عمر بن الخطاب، فقال له أحدهما: والله ما هو بيوم بكاء، ولكنه يوم شكر وسرور. فقال: إني والله ما ذهبت حيث ذهبت، ولكنه والله ما كثر هذا في قوم قط إلا وقع بأسهم بينهم. ثم أقبل على القبلة، ورفع يديه إلى السماء، وقال:(اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا) فإني أسمعك تقول:)سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ( ([5]).  ويقول الشيخ محمد العثيمين رحمه الله:( إن الله لم يجعل عقوبة الأمة على معاصيها وذبوبها كعقوبة الأمم السابقة , لم يجعلها بالهلاك العام المدمر للأمة كما حصل لعاد حين أهلكوا بالريح العاتية سخرها عليهم  سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فترى القوم فيها صرعى، كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقيه . لم يجعلها كعقوبة ثمود الذين أخذتهم  الصيحة والرجفة؛ فأصبحوا في ديارهم جاثمين . ولم تكن كعقوبة قوم لوط الذين أرسل الله عليهم حاصبا من السماء؛ فجعل الله ديارهم عاليها سافلها. إن الله بحكمته ورحمته لهذه الأمة جعل عقوبتهم على ذنوبهم ومعاصيهم أن يسلط بعضهم على بعض؛ فيهلك بعضهم بعضا، ويسبي بعضهم بعضا). ([6])


([1]) سورة الأنعام الآية 65 .
([2]) سورة الحشر الآية 14 .
([3]) صحيح مسلم ،ح2890،4/2216 .
([4]) تفسير الطبري 7 /226، وانظر الدر المنثور 3/283. والمسند 5/134.
([5]) الأم 4/157 . والآية 182 من سورة الأعراف .
([6] ) أثر المعاصي على الفرد والمجتمع ،11.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق