الجمعة، 21 مارس، 2014

رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم على المسلمين



رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين
 بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام ربه كما أوحى إليه ، فمن سبقت له العناية ، وكتبت له الهداية ، انفتح قلبه فأقبل ، واشرأبت نفسه فأقدم ،  وشرح الله صدره للإسلام فأسلم ، فكانوا هم أهل الحظوة إذ خصهم الله تعالى بالصحبة ،  فأظلتهم الفيوضات  الإلهية وسعدوا بالرحمة النبوية.
ورحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين لم تكن حكاية تناقلتها الأساطير ولا حادثة سطرها المؤرخون لتكون مرتعاً للتائهين أو غرضاً للطاعنين ولكنها حقيقة أزلية أبدية شهد  بها الرحمن ونطق بها التبيان ثناءً عليه  تلهج  بها الألسن  ويحيا بها الجنان عبر الزمان والمكان ، قال تعالى:{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم} التوبة: ( ١٢٨) ،  جاء في فتح القدير (ختم الله سبحانه هـذه السورة بما يهون عنده بعض ما اشتملت عليه من التكاليف الشـاقة فقـال : { لقد جاءكم } يا معشر العرب {رسول} أرسله الله إليكم له شأن عظيم { من أنفسكم } من جنسكم في كونه عربيا وإلى كون هذه الآية خطابا للعرب ذهب جمهور المفسرين)[i] .
 وجاء في روح المعاني أن قوله تعالى : ( رسول من أنفسكم أي من جنسكم لتقع الألفة بينكم وبينه فإن الجنس إلى الجنس يميل وحينئذ يسهل عليكم الاقتباس من أنواره صلى الله عليه وسلم )[ii] .
و في معاني القرآن : (قال أهل اللغة يجوز أن يكون المعنى لقد جاءكم رسول من أنفسكم أي بشر كما أنكم بشر فأنتم تفقهون عنه . ويجوز أن يكون المعنى أنه من العرب فهو منكم فأنتم تقفون على صدقه ومذهبه)[iii] .
والذي أميل إليه هو ما ذهب إليه الجمهور كون هذه الآية خطاب للعرب ويؤيد ذلك دعاء نبي الله إبراهيم عليه السلام  كما جاء في قوله تعالى :{ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ }البقرة: ( ١٢٩). قال تعالى:{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ }آل عمران: ( ١٦٤)،  قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( ما من قبيلة إلا ولدت النبي صلى الله عليه وسلم )[iv] .
فالرسول صلى الله عليه وسلم منهم ، عاش بين ظهرانيهم مولداً ونشأة ، يعرفون نسبه وصدقه وأمانته وعفافه،  فاصطفاه  الله تعالى كأجل وأعظم نعمة خص بها العرب ، وكأن الأمر يعنيهم قبل وأكثر من غيرهم ، وفي ذلك أسمى منزلة وأعلى مكرمة تحمل في طيها بعث الهمة للسبق في الإسلام والعناية به ووجوب القيام بتبليغ دعوته للناس قاطبة .
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما  ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم بفتح الفاء )[v]،  وكذا  قرأ عبد الله بن قسيط المكي من أنفسكم بفتح الفاء من النفاسة ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها أي جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم من قولك : شيء نفيس إذا كان مرغوبا فيه وقيل: من أنفسكم أي أكثركم طاعة)[vi]،  وفي الصحيح  قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم)[vii].
هذا الاصطفاء الذي تميز به النبي صلى الله عليه وسلم فيه دلالة تميز العروبة في الأصل على سائر أصول الخلق وذلك بنسب النبي صلى الله عليه وسلم إذ أنه من صميم العرب وخالصها .وشرفه شرف لها .
وفيه تميز اللغة العربية على سائر اللغات لنزول القرآن الكريم بها ، وتميز الجزيرة العربية على سائر الأمكنة بالكعبة المشرفة والبيت الحرام والمسجد النبوي الشريف وما ضمه ثراها لأطهر جثمان صلى الله عليه وسلم ، وتوسطها العالم ، وأنها مصدر الطاقة الروحية والمادية ، وكثير من الأسرار  والآثار.ومحط الأنظار.
عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع)[viii].
جاء في الشرح: (أنا سيد ولد آدم) قال الهروي: (السيد هو الذي يفوق قومه في الخير وقال غيره هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدافع عنهم). وأما قوله (صلى الله عليه وسلم) يوم القيامة مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة فسبب التقيد أن يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى منازع ولا معاند ونحوه بخلاف الدنيا فقد نازعه فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين[ix].
قوله ( عزيز ) شديد ( عليه ما عنتم ) أي عنتكم أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه )[x].
 وفي روح المعاني ( عزيز عليه ماعنتم أي يشق عليه -عليه الصلاة والسلام- مشقتكم فيتألم صلى الله عليه وسلم لما يؤلمكم كما يتألم  الشخص إذا عرا بعض أعضائه مكروه وعن سهل أنه قال : المعنى شديد عليه غفلتكم عن الله تعالى ولو طرفة عين فإن العنت مايشق ولا شيء أشق في الحقيقة من الغفلة عن المحبوب )[xi] .
وقد ورد عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال : (مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها قال فذلكم مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار فتغلبوني تقحمون فيها)[xii].
وهذا بيان صريح لعظمة هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، ومدى رحمته بأمته ، إذ نجده يحول بينها وبين المشقة في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى:{ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُون} الحجرات: ( ٧) ،  قوله تعالى:(... حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ..) أي ( على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم )[xiii].
قوله تعالى :{... بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ }،  أورد الطبري في تأويل هذه الآية الكريمة ( يقول تعالى ذكره للعرب لقد جاءكم أيها القوم رسول الله إليكم من أنفسكم تعرفونه لا من غيركم فتتهموه على أنفسكم في النصيحة لكم عزيز عليه ما عنتم أي عزيز عليه عنتكم وهو دخول المشقة عليهم والمكروه والأذى حريص عليكم ويقول حريص على هُدَى ضُلالكم وتوبتهم ورجوعهم إلي الحق بالمؤمنين رءُوف رحيم إي رفيق رحيم )[xiv].
ومن مظاهر تلك الرحمة أن الله تعالى جعله سبباً لإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان ومن الضلالة إلى الهداية  ومن الجهل إلى العلم ومن الغفلة إلى الذكر و كان سبباً لإسعادهم في الدنيا والآخرة .
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بهم أنه لما اشتد أذى المشركين للمؤمنين في بدء الدعوة بمكة ،  وضاقت عليهم الحياة بها ،  اختار لهم الحبشة مهجراً لما يتمتع به ملكها من عدل .وحيث بسط العدل نشطت الرحمة.
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين أنه جاءهم بتشريع عظيم في مقاصده و مراميه ، يسير في تكاليفه ، طهر به قلوبهم وأبدانهم و سما بأرواحهم  وعلا بهم إلى عز العبودية في أوسع معانيها . فالمسلم بتعلم شعائر الإسلام وتطبيقها في حياته يتدرج إلى الإيمان ،  وبتعلم حقائق الإيمان وسريانها في وجدانه يتدرج إلى مرتبة الإحسان ، وقد عبر بهم صلى الله عليه وسلم  سلّم الترقي برحمة ورفق ويسر ،  عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا )[xv]،  وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح ؟ فقال ( اذبح ولا حرج ) . فجاء آخر فقال لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ؟ قال ( ارم ولا حرج ) . فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال ( افعل ولا حرج )[xvi].
وفي نطاق الأسرة :جاء هديه صلى الله عليه وسلم لبناء أسرة واعية المشاعر راقية المظهر ، تتبادل الرحمة بين أفرادها. بدءًا بالزواج واستشعار كونه آية قبل أن يكون عادة ، وثمرة ولد قبل أن يكون شهوة لحظة ، ومودة ورحمة قبل أن يكون جفاء وقسوة، قال تعالى:{ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}الروم:(٢١)،  قوله : ( وجعل بينكم مودة ورحمة ) أي جعل بينكم ( مودة تتوادون بها وتتواصلون من أجلها ورحمة رحمكم بها فعطف بعضكم بذلك على بعض ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) يقول تعالى ذكره : إن في فعله ذلك لعبرا وعظات لقوم يتذكرون في حجج الله وأدلته فيعلمون إنه الإله الذي لا يعجزه شيء أراده ولا يتعذر عليه فعل شيء شاء)[xvii] ،  وجاء في معنى الآية أيضاً ( أن من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة ورحمة وهي الرأفة فإن الرجل يمسك المرأة إنما لمحبته لها أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك )[xviii].
 فالزواج المبني على المودة و الرحمة بين الزوجين نواة لأسرة مستقرة عامرة بالعواطف والمشاعر النبيلة تنثر أزهار الرحمة بين بنيها  ،  عن أنس قال : ( أخذ النبي صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه )[xix] .
وقد تدفقت هذه الرحمة قطرات دمع على خدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم رضي الله عنه . قال صلى الله عليه وسلم ( إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)[xx]،  وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال  :( قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ( من لا يرحم لا يرحم )[xxi] ،  وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا )[xxii].
وعن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال ( من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار )[xxiii] .
مما لا يخفى أن البنت أضعف شرائح الأسرة وأحرى أن تؤثر بالرحمة من غيرها . و الطفولة التي تتغذى بالرحمة تؤتي أكلها عند كبر والديها لأن الرحمة  غرست في وجدانها عند الصغر و قد تهيأت لاستجابة نداء الرحمن في الكبر . قال تعالى:{ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا }الإسراء: ( ٢٤ )
وجاء في هدي نبي الرحمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سألت  النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله ؟ قال ( الصلاة على وقتها ) . قال ثم أي ؟ قال ( ثم بر الوالدين ) . قال ثم أي ؟ قال ( الجهاد في سبيل الله ) . قال حدثني بهن ولو استزدته لزادني )[xxiv].
ولما كانت الأسرة السعيدة هي نواة المجتمع الفاضل والمجتمع هو البوتقة  التي تنصهر  فيها الأسر فاض مجتمع الصحابة  رحمة تنسمها الجميع،  قال تعالى:{ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة} البلد(17) قوله تعالى : ( وتواصوا بالمرحمة ) أي ( بالرحمة على عباد الله فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين واستكثروا من فعل الخير بالصدقة ونحوها )[xxv] .
وفي الحديث عن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى )[xxvi] .
وعن أبي موسى رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) . ثم شبك بين أصابعه . وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال ( اشفعوا فلتأجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء)[xxvii] .  
وقال صلى الله عليه وسلم : (  ياأيها الناس ؛ أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا والناس نيام . . تدخلوا الجنة بسلام )[xxviii] .     
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى )[xxix]
 ( سمحا ) جوادا متساهلا يوافق على ما طلب منه . ( اقتضى ) طلب الذي له على غيره .
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين أنه كان رفيقاً بهم غاضاً الطرف عن زلاتهم مهما كبرت ،  متجاوزاً عن هفواتهم مهما عظمت ، ومن ذلك رحمته بهم يوم أحد عندما ترك الرماة أماكنهم وانكشف ظهر الجيش وترتب إثر ذلك ضرر كبير على الصحابة ، وأذى جسيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى:{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آل عمران: ( ١٥٩)، جاء في الجامع لأحكام القرآن أن معنى الآية ( أنه عليه السلام لما رفق بمن تولى يوم أحد ولم يعنفهم بين الرب تعالى أنه فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه )[xxx]،  وقال الحسن البصري : ( هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به )[xxxi].
يتبين من أقوال العلماء أن رحمة الرسول (صلى الله عليه وسلم) هي نفحة ربانية وهبة من الله تعالى له ملازمة له مثل كثير من الصفات التي امتاز بها الرسول (صلى الله عليه وسلم) وفاق بها الأولين والآخرين مثل العلم والصدق والأمانة وغيرها.
قوله تعالى : ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً  غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )،  فظاً من ( افتظ أي اعتصر ماء الكرش وصفاه ويسمى ذلك الماء الفظ لغلظه والعرب اذا أعوزهم الماء لشفاههم في الفلوات البعيدة التي لا ماء فيها نحروا جزورا واعتصروا ماء كرشها فشربوه وتبلغوا به وقيل لماء الكرش فظ لغلظه وخبثه ومنه يقال للرجل القاسي القلب فظ )[xxxii]، ( والغِلَظُ ضدّ الرّقّةِ في الخَلْق والطبْعِ والفِعْل والمَنْطِق والعيْش ونحو ذلك غَلُظَ يَغْلُظ غِلَظاً صار غلِيظاً واستغلظ مثله وهو غَلِيظ وغُلاظ والأُنثى غَلِيظة وجمعها غِلاظٌ )[xxxiii]، قال ابن كثير (والفظ الغليظ والمراد به ههنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك { غليظ القلب } أي لو كنت سيء الكلام قاسي القلب عليهم لا نفضوا عنك وتركوك ولكن الله جمعهم عليك وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم)[xxxiv].
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عند ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)قال:( لم يكن فاحشا ولا متفحشا وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من خياركم أحسنكم أخلاقا)[xxxv].
قال أبو ذؤيب الهذلي [xxxvi] :
ولم يكن فظاً قاطعاً لقرابة      ولكن وصولاً للقرابة ذا رحم[xxxvii] .
  قال القرطبي: { لانفضوا } لتفرقوا فضضتهم فانفضوا أي فرقتهم فتفرقوا . وأصل الفض الكسر ومنه قولهم : لا يفضض الله فاك والمعنى : يا محمد لولا رفقك لمنعهم الاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما كان من توليهم)[xxxviii].
   فرحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بهم رغم مخالفتهم لأمره في غزوة أحد بترك الرماة أماكنهم وانشغالهم بالمغنم مما كان له الأثر في تغير مجرى الحرب من النصر إلى الهزيمة ، إلا أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يهزم معنويا فقبل الأمر منهم برفق ورحمة مما أدى إلى جمع الشمل حوله .
وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالعفو عنهم والاستغفار لهم ومشاورتهم ،  قال تعالى:  (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)،  قال القرطبي: قال العلماء: أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضا فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلا للاستشارة في الأمور)[xxxix].
واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبوا وكرهوا،  قال مقاتل و قتادة : ( أمر الله تعالى بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم )[xl]،  وبمثله جاء في تفسير ابن كثير حيث قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييبا لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه)[xli]
وقيل أن الله أمر النبي أن يشاورهم فيما لم يأت فيه وحي لأنه قد يكون عند بعضهم فيما يشاور فيه علم وقد يعرف الناس من أمور الدنيا ما لا يعرفه  الأنبياء فإذا كان وحي لم يشاورهم . و قا ل  الحسن أمر بذلك صلى الله عليه وسلم لتستن به  أمته )[xlii]،  عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم )[xliii].
 وقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في مواطن كثيرة ، منها على سبيل المثال لا الحصر ، يوم بدر وأحد  والخندق وغيرها ، وكان صلى الله عليه وسلم يقبل مشورتهم وينزل لرأيهم وما ذلك إلا لسماحته ولطفه ورأفته ورحمته بهم.
ومما جدر ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمة منه بالمؤمنين لم يزج بهم في معارك خاسرة ولم يجعل من أرض الإسلام مسرح حرب ولا كلأً مباحاً لكل راتع ولا صيد فلاة تلاحقه الرماح ،  بل كان صلى الله عليه وسلم يعرف متى يسالم ومتى يحارب ويباغت العدو .
هذا الهدي النبوي الذي يفيض بوميض النور والرحمة في القول والعمل كان له عظيم الأثر في نفوس الصحابة رضي الله عنهم حيث صارت الرحمة سلوكاً عاماً وواقعاً معاشاً  ينعم بها كل فرد في عصر النبوة، مما قوى أواصر الارتباط وعزز قوة الانتماء  في الأسرة والمجتمع .
وقد أمر الله تعالى عباده أن يقتدوا به لأن في ذلك السعادة والفوز في الدارين ،  قال تعالى:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب:(21 )،  قال ابن كثير إن الآية ( أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، في أقواله وأفعاله وأحواله)[xliv].
 فتأسى به أصحابه رضوان الله عليهم فكانوا أعظم أمة عرفها التاريخ .إذ  أنهم حملوا لواء الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة ونشروا الإسلام على بساط الرحمة مسحوا دمعة اليتيم وواسوا المسكين وأطعموا الأسير وأقاموا العدل وأزالوا الظلم بهذه الفضيلة فضيلة الرحمة فتحوا قلوب الناس قبل بلدانهم وبالرحمة سادوا ، وإلى الخير قادوا ، قال تعالى:{ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح: ( ٢٩ )،  والمعنى ( أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرافة كقوله تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزه على الكافرين وقرىء أشداء ورحماء بالنصب على المدح )[xlv].
جاء ذكر الشدة في سياق الحديث عن الرحمة مع أن تعاليم  الإسلام تنشد وتوصي بالرحمة العامة لجميع الخلق لأن ( هناك من الناس والدواب من يكون مصدر خطر على غيره ومثار رعب وفزع ،  فيكون من رعاية الصالح العام للجماعة كلها أن يحبـس شره ،  ويحاصر ضرره .وقد تكون الشدة معه رحمة به وتقويماً لعوجه )[xlvi].
أقول والله أعلم أن ذكر الشدة في سياق الحديث عن الرحمة أن تراحم المؤمنين فيما بينهم يقوي الترابط ويعزز الانتماء مما يقوي شوكة الأمة ويظهر شدتها على عدوها .وواقع الأمة في عصورها الذهبية شاهدة على ذلك .
ما أحوج الأمة اليوم لهذه الرحمة ، حسن اقتداء وعظيم اتباع ، رحمة تمتد من الحاكم إلى المحكوم ومن القائد إلى المقاد ، ومن رب الأسرة إلى أفرادها ، ومن الغني إلى الفقير ، ومن المعلم إلى الطالب . رحمه متبادلة بين جميع أفراد الأمة ، تتلاقح وتسمو كالسحاب نقية ندية  تقطر رحمة تخضر بها الأرض ويسعد بها الخلق .


[i] - الشوكاني؛ مصدر سابق (2/607).
[ii] - الألوسي؛ أبو الفضل محمود  البغدادي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الفكر - بيروت،  تصحيح محمد حسين العرب، (7/82).
[iii] - النحاس؛ أبو جعفر أحمد بن محمد المصري، معاني القرآن، تحقيق الشيخ/ محمد علي الصابوني، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط1 (1409هـ)، (3/270).
[iv] - القرطبي؛ مصدر سابق (8/273).
[v] - السيوطي؛ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق سعيد المندوب، دار الفكر، بيروت، ط1 (1416هـ)، (1/208).
[vi] - القرطبي؛ مصدر سابق،  (8/301).
[vii] - القشيري؛ مسلم بن الحجاج، مصدر سابق، (4/1782).
[viii] - القشيري؛ مسلم بن الحجاج، مصدر سابق، (4/1782).
[ix] - النووي؛ أبو زكريا يحيى بن شرف المري، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2 (1392هـ)، (7/473).
[x] - السيوطي؛ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، والمحلي؛  جلال الدين محمد بن أحمد، تفسير الجلالين، دار الحديث، القاهرة، ط1 (ص264).
[xi] - الألوسي؛ مصدر سابق، (7/83).
[xii] - القشيري؛ مسلم بن الحجاج، مصدر سابق، (4/1789). 
[xiii] - ابن كثير؛ مصدر سابق (2/531).
[xiv] - الطبري؛ مصدر سابق (11/89).
[xv] - البخاري؛ مصدر سابق، حديث رقم (69)، (1/38).
[xvi] - البخاري؛ مصدر سابق، حديث رقم (83)، (ا/43).
[xvii] - الطبري؛ مصدر سابق،  (10/175).
[xviii] - ابن كثير؛ مصدر سابق (2/568).
[xix] - البخاري؛ مصدر سابق، حديث رقم (1220)، (5/2234).
[xx] - البخاري؛ مصدر سابق ، حديث رقم (1241)  (1/439).
[xxi] - البخاري؛ مصدر سابق، حديث رقم (5651) (5/2235)، والقشيري،  مسلم بن الحجاج، مصدر سابق حديث رقم  (2318).
[xxii] - الترمذي؛ مصدر سابق، حديث رقم (1919) (4/321)،. 
[xxiii] - البخاري؛ مصدر سابق، حديث رقم  (5649) (5/2234).
[xxiv] - البخاري؛ مصدر سابق، حديث رقم  (5513)، (5/2227).
[xxv] الشوكاني؛ مصدر سابق (5/631).
[xxvi] - البخاري؛ مصدر سابق، حديث رقم (5665)، (5/2238).
[xxvii] - صحيح البخاري ،  حديث رقم (5680)، (5/2242).
[xxviii] - النبهاني؛ يوسف بن إسماعيل، وسائل الوصول إلي شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم، دار المنهاج للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، (1421هـ/ 2002م)، (ص325).
[xxix] - البخاري؛ مصدر سابق، حديث رقم (1934)، (2/730).
[xxx] - القرطبي؛ مصدر سابق، (4/248).
[xxxi] - ابن كثير؛ مصدر سابق (1/556).
[xxxii] - الأزهري؛ محمد بن أحمد بن الأزهر أبو منصور الهروي، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، تحقيق الدكتور محمد جبر الألفي، وزارة الأوقاف، الكويت، ط1، 1399هـ،  (1/38).
[xxxiii] - ابن منظور؛ مصدر سابق، (7/449).
[xxxiv] - ابن كثير ؛ مصدر سابق، (1/556).
[xxxv] - القشيري؛  مسلم بن الحجاج، مصدر سابق (4/1810).
[xxxvi] -  هو؛ أبو ذؤيب خويلد بن خالد بن محرث بن ذبيد بن مخزوم شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، شهد فتح إفريقيا مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقيل مات بها . وفد علي النبي صلي الله علية وسلم ليلة وفاته وشهد دفنه: بابتي؛ الدكتورة عزيزة فوال، معجم الشعراء المخضرمين والأمويين، دار صادر للطباعة والنشر بيروت الطبعة الأولي 1999م.
[xxxvii] - الزمخشري؛ جار محمود بن عمر الزمخشري، أساس البلاغة ، دار إحياء التراث العربي،  بيروت، (ط 1422هـ -2001م )، (1/163).
[xxxviii] - القرطبي؛ مصدر سابق، (4/249). 
 [xxxix]- القرطبي؛ مصدر سابق، (4/249).  
[xl] - البغوي؛ مصدر سابق، (1/123).
[xli] - ابن كثير؛ مصدر سابق، (1/556). 
[xlii] - النحاس ؛ مصدر سابق، (1/500).
[xliii] - البغوي؛ مصدر سابق (1/123).
[xliv] - ابن كثير ؛ مصدر سابق (3/474).
[xlv] - أبو السعود؛  محمد بن محمد العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، دار إحياء التراث العربي،  بيروت، (8/114).
[xlvi] - الغزالي؛ الشيخ محمد الغزالي السقا، خلق المسلم، دار القلم، بيروت، الطبعة الحادية عشرة (1414هـ 1994م)، (ص219).











The mercy of the prophet Mohammed (God's blessing and peace be upon him)
in light of the holy Quran
subject study
by: Abdusamad I. Hamid
Abstract:

The quality of mercy of Prophet Mohammed (God's blessing and peace be upon him) is frequently mentioned in the Holy  Quran. therefore ، it is an important subject that deserves to be deeply studied and modeled after .The mercy of the prophet was the way on which the Prophet's mission walked to reach the hearts of people . The Companions of the Prophet (God's contentment be upon them) were influenced by the Prophet's mercy ، so they became merciful to each other . This reinforced their relations and strengthened affiliation to Islam . Therefore ، the wealth of the Islamic nation increased ، and it became strong so its enemies dreaded it . This research tries to contribute to spreading mercy and making it a common behavior of people . Mercy is the remedy for all scars and a hope for walking in the way of salvation. 
Our exalted God is behind intention.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق