الجمعة، 21 مارس، 2014

رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم




لقد هيأ الله تعالى  النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ، فكان أشرف الناس نسبا وأعظمهم خلقاً، طهره من كل دنس ، وعصمه من كل زلل ، واصطفاه لرسالته الخالدة الخاتمة ، وخصه بالقرآن الكريم ليتلوه على مسامع الناس هادياً لهم به  إلى صراط الله المستقيم . وقد أثنى سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم بقوله :{ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم:(4).

ووصف كتابه المنزل عليه بأنه عظيم ، قال تعالى { وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ}الحجر:( ٨٧).

فإنزال القرآن العظيم على النبي صلى الله عليه وسلم فيه شرف كبير وفضل عظيم وجاه عريض كيف لا والقرآن الكريم هو جوهر هذا الدين ومصدر نور وهداية المسلمين أزال الله تعالى به ظلمة الجاهلية وصنع به أمة عظيمة رسالية ، والقرآن الكريم عظيم في وصفه ، منزل من العظيم في ذاته على العظيم في خلقه وهو أعظم مكتوب وأجل مقروء ، فمن تحلى به حفظاً وفهماً وعملاً عظم قدره وعلا شأنه .ولقد تجلى كمال القرآن الكريم في ذات النبي صلى الله عليه وسلم وصفاً وحسناً فبلغ ذروة الكمال الإنساني والنور الرباني ، وهو الترجمة الحقيقية لروح القرآن . وبيان ذلك ما وصفته به أم المؤمنين عائشة رضي  الله عنها حيث قالت }كان خلقه القرآن يغضب لغضبه ويرضى لرضاه{[i] .
وتعداد جميع شمائله صلى الله عليه وسلم تتقاصر عنها همم الطالبين الراغبين ، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، والتماساً للخير والبركة نذكر منها على سبيل المثال  لا الحصر ما يأتي : 
كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس قدراً وأعلاهم منزلة وأكملهم  إيمانا  ،  وأعظمهم ثقة في الله تعالى ، ومن ذلك صبره وثباته على مبدئه فقد عرضت عليه الدنيا بجاهها ومالها وسلطانها فردها وقال قولته الفاصلة (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته )[ii] .
و كان صلى الله عليه وسلم كريماً بحرَ جودٍ لا ينضب (كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرءان فرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة)[iii].
  و كان صلى الله عليه وسلم شجاعاً مقداماً ذا حياء وتواضع  ورحمة ، والرحمة صفة جامعة لخصال الخير كله،  إذ لا يتصف المرء بالصبر والشجاعة والجود والتواضع وغيرها من  الصفات إلا إذا كان رحيماً . وقد كان صلى الله عليه وسلم رحيماً  فاح شذى  رحمته  وجاء في الخبر اليقين
قال تعالي :{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }التوبة(128)، قوله تعالى :{... بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ }،  قال ابن عباس (سماه باسمين من أسمائه)[iv] .
وقيل :( لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في . قوله : " رؤوف رحيم")[v].

و قال الحسين بن الفضل : (لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم فإنــه قال : { بالمؤمنين رؤوف رحيم } قال تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ البقرة):١٤٣))[vi]

وجاء في تفسير البيضاوي :(أي{ بالمؤمنين } منكم ومن غيركم { رؤوف رحيم } قدم الأبلغ منهما وهو الرؤوف لأن الرأفة شدة الرحمة محافظة على الفواصل)[vii].
أراد بقوله منكم أي من العرب ،  ومن غيركم أي المؤمنين من غير العرب .
في هذه الآية نجد أن الله سبحانه وتعالى أثنى على نبيه صلى الله عليه وسلم وألبسه من نعته الرأفة والرحمة وهما من صفات الكمال التي وصف الله بها ذاته العلية .
قال أهل العلم :( إن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه وحسن أسمائه وعلو صفاته لا يشبه شيئا من مخلوقاته وأن ما جاء من الصفات مما أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه الصفات وليس بين صفاته وصفات خلقه إلا موافقة اللفظ)[viii].
وفي القرآن نجد شواهد من وصف الله تعالى نفسه بأوصاف وصف بها بعض المخلوقين من ذلك وصف نفسه بالعلم، والحلم؛ فقال جل شأنه: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} الحج:(٥٩)
ووصف بعض المخلوقين بذلك فقال تعالى: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} الحجر (53)، وقال عز من قائل: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} الصافات: )١٠١).
ووصف سبحانه نفسه بالمغفرة ، قال تعالى : {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }البقرة:( ١٧٣) ووصف سبحانه بعض المخلوقين بذلك قال تعالى : {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}الشورى:(٤٣).
ووصف سبحانه نفسه بالرأفة والرحمة : قال تعالى :{ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} النحل:( ٧) ووصف سبحانه  حبيبه ومصطفاه محمداً  صلى الله عليه وسلم  بالرأفة والرحمة :قال تعالى {.....بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ }.
وليس بين صفة الخالق والمخلوق مشابهة إلا في اتفاق الاسم .فما أفاضه الله تعالى على عباده من الفضائل أثنى عليهم  بها ، فياله من رب كريم منه العطاء والثناء .سبحانه جل جلاله وتعالى في علاه .
قال الشنقيطي:(إن صفة الخالق لائقة بكماله وجلاله وأن صفة المخلوق مناسبة لحاله وفنائه وعجزه وافتقاره فلا داعي لأن ينفي وصف رب السموات والأرض عنه ولا نشبهه بصفات المخلوقين بل يلزم أن نقر بوصف الله ونؤمن به في حال كوننا منزهين له عن مشابهة صفة المخلوق وهذه صفات الأفعال جاء في القرآن بكثرة وصف الخالق بها ووصف المخلوق ولا شك أن ما وصف به الخالق منها مخالف لما وصف به المخلوق كالمخالفة التي بين ذات الخالق وذات المخلوق)[ix].
و الرحمة في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ليست تكلفاً ولا افتعالا عارضا وإنما هبة من الله تعالى تتجلى في كل جوانب حياته صلى الله عليه وسلم . 
قال تعالى :{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} آل عمران:( ١٥٩   جاء في تفسير ابن كثير في قوله تعالى:{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ...}، يقول تعالى مخاطبا رسوله ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره وأطاب لهم لفظه   { فبما رحمة من الله لنت لهم } أي : أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم)[x] .
فعظمة خلقه صلى الله عليه وسلم ولطيف سمته ومصدر رحمته هو عطاء رباني وهدى قرآني ليكون مثالاً  يحتذى  وإماماً يقتدى .
قال تعالى : ]وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [ : الحجر : ( 88 )،  وجاء هذا المعني في موضع آخر ،  قال تعالى ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) . الشعراء : (215)
في الآية حض على التواضع عبر عنه بخفض الجناح على سبيل الاستعارة التبعية حيث ( شبه خفض الجناح بخفض الجانب ، بجامع العطف والرقة في كل ، واستعير اسم المشبه به للمشبه )[xi].
والأصل في ذلك أن الطائر ( إذا ضم فرخة إلى نفسه بسط جناحه ثم قبضه على الفرخ ، فجعل ذلك وصفاً لتقريب الإنسان أتباعه ، ويقال فلان خافض الجناح ، أي وقور ساكن )[xii] .
وليس لابن آدم جناح كجناح الطائر وإنما جناح ابن آدم جانباه ومنه قوله تعالــى ( واَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ )  طه : (22)، وقال تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ }الإسراء: ( ٢٤)

 فخفض الجناح كناية عن التواضع والرقة ولين الجانب ومعني الآية ( ألن جانبك للمؤمنين ، أي لمن آمن بك وبما أتيت به )[xiii] .
فكان هذا شأنه صلى الله عليه وسلم يحف أصحابه باللطف واللين والرقة  والرحمة والرأفة، بما حباه الله تعالى به من جميل الخصال ، آخذاً بأيديهم إلى الخير على مهل، غافراً زلاتهم غاضاً الطرف عن مسيئهم


[i] - ابن حجر؛ الحافظ أحمد بن على حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مع تعليقات الشيخ ابن باز، دار الفكر، بيروت، (1416هـ)،   6/575.
[ii] - السهيلي، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، الروض الأنف،  دار المعرفة، بيروت (1398هـ/1978م)، (2/8).
[iii] - البخاري؛ محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي، الجامع الصحيح، دار ابن كثير، اليمامة – بيروت،  ط3 (1407هـ/ 1987م)، كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي 1/4.
[iv] - ابن الجوزي؛ عبد الرحمن بن علي بن محمد، زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي، بيروت، ط3 (1404هـ)، (3/521).
[v] - الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر بن أحمد؛ الكشاف عن حقائق التنزيل، تحقيق عبد الرزاق المهدي دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1 (1417هـ/1997م)، (1/510).
[vi] - القرطبي، التفسير مصدر سابق، (8/302).
[vii] - البيضاوي، التفسير، مصدر سابق، (1/181).
[viii] - آل معمر؛ حمد بن ناصر بن عثمان، التحفة المدنية في العقيدة السلفية ، تحقيق؛ عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم، دار العاصمة – الرياض الطبعة الأولى، 1992م،  (1/27).
[ix] - الشنقيطي؛  محمد الأمين، منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، تحقيق الشيخ عطية محمد سالم، الدار السلفية الكويت، ط4، 1404هـ،  (1/20).
[x] - ابن كثير ؛ مصدر سابق، 1/ 556. 
[xi] - الزحيلي؛ الدكتور وهبة الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، دار الفكر المعاصر، بيروت/ ط1، 1411هـ/1991م، (14/67).
[xii] - القرطبي، مصدر سابق  (10/57).
[xiii] - الزجاج؛ أبو إسحاق إبراهيم بن السري (ت311هـ)،  معاني القرآن وإعرابه، دار الحديث،  ط1 1414هـ/1994م، (3/186).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق