الجمعة، 21 مارس، 2014

الرحمة بمبعثه صلى الله عليه وسلم



الرحمة بمبعثه صلى الله عليه وسلم
كان العالم قبل رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، تسوده الفوضى بكل معانيها فساد في العقيدة بعبادة غير الله تعالى واضطراب في الأمن بالحروب التي تدور بين الفرس والروم وتدهور في كل نواحي الحياة.
والجزيرة العربية لم تكن بأفضل حال  من بقاع الأرض. إذ كانت الحروب تشتعل  بين  قبائلها لأتفه الأسباب و أم القرى وهي حاضرتها تضج  بعبادة الأوثان التي بنيت حول الكعبة المشرفة ، وغير ذلك من مظاهر الفساد .
فلما أراد الله سبحانه وتعالى  بالبشرية خيراً بعث فيهم  هذا النبي العربي الكريم ليخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان ومن الخوف إلى الأمان . وقد سبقت عناية الله تعالى به ، نطفة من نور يتنقل في أصلاب الآباء  الأطهار وأرحام الأمهات العفيفات  ، حفظه من كل دنس  فولد في بني هاشم أفضل البيوت ، شرفا ونسبا ، ولازمته رعاية الله تعالى في حال يتمه وصباه فظهرت نجابته وفضائله ، واشتهر بالصدق والأمانة بين قومه. ولما بلغ الأربعين من عمره، وهي مرحلة كمال العقل وتمام الرشد تنزلت رحمة الله عليه وعلى الخلق بالرسالة قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }الأنبياء: (١٠٧)، جاء في كتاب العين :(العالم الخلق كله ، والجمع عالمون )[i] ،  وذكر في تهذيب اللغة أن المراد بالعالمين الجن والإنس مستدلا بقوله تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا }الفرقان: (١)،  بان النبي صلى الله عليه وسلم ليس (نذيرا للبهائم ولا للملائكة وإنما بعث محمد صلى الله عليه وسلم نذيرا للجن والإنس) [ii].
وكما ظهر التباين في معنى كلمة العالمين عند أهل اللغة نجد هذا التباين عند أهل التفسير حيث جاء في تفسير القاسمي أن (العالمين جمع عالم وهو الخلق كله وكل صنف فيه ) [iii].
وجاء في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن في معنى لفظ العالمين ( لم يبين هنا ما العالمون وبين ذالك في مواضع أخرى)[iv] قال تعالى : { قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ }الشعراء: ( ٢٣ ٢٤)  .
وقيل المراد بالعالمين الإنس والجن (أي وما أرسلناك يا محمد إلا رحمة للعالميـن :الإنس والجن،  .لان ما بعثت به سبب لإسعادهم وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم )[v].
   وقيل: (العالمون من آمن به وصدقه. قال تعالى :{ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين} الأنبياء: (111) قال:فهو لهؤلاء فتنة ولهؤلاء رحمة ، وقد جاء الأمر مجملا رحمة للعالمين والعالمون ها هنا من امن به وصدقه وأطاعه)[vi].
      والراجح عندي أن العالمين الخلق كله وأن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم عامة عمومية رسالته ويكون نصيب الفرد منها بقدر إيمانه بالرسالة وتفاعله معها،  وكونه  صلى الله عليه وسلم نذيرا للجن والإنس لا يمنع أن تشمل  الرحمة غيرهما من خلـق الله تعالى ، كما صرحت بذلك الأحاديث ، قوله صلى الله عليه وسلم : الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)[vii]قال ابن بطال فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق فيدخل المؤمن والكافر والبهائم المملوك منها وغير المملوك ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب[viii]، والرحمة العامة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم شملت حتى الحيوان ، مثال ذلك مثوبة ساقي الكلب و عقوبة حابسة الهرة  كما جاء في  الهدي النبوي الشريف ،  عن أبي هريرة :رضى الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلمقال ( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله  له فغفر له ) . قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا ؟ فقال ( في كل ذات كبد رطبة أجر)[ix].
وفي صحيح البخاري، عن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة )[x]،  وفي صحيح مسلم، عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم  : ( عذبت امرأة في هرة أوثقتها فلم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)[xi] .
وجاء في تفسير قوله { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }الأنبياء (107)، أن الله جعل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين أي أرسله رحمة لهم كلهم فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة،  ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة[xii] كما قال تعالى :{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ }إبراهيم: ( ٢٨ 29 )قال تعالى : { هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } فصلت: ( ٤٤)
  وعن ابن عباس رضي الله عنهما0 كان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للجميع فمن آمن به وصدق به سعد ومن لم يؤمن به سلم مما لحق من الأمم من الخسف والغرق)[xiii]. 
     وجاء في تفسير الجواهر الحسان( أن الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين عموما ، أما للمؤمنين فواضح وأما للكافرين فلأن الله تعالى رفع عنهم ما كان يصيب الأمم والقرون السابقة قبلهم من التعجيل بأنواع العذاب المستأصل كالطوفان)[xiv] ، قال تعالى { فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }العنكبوت: (٤٠).
في الآية بيان لما أصاب الأمم السابقة التي كفرت بآيات الله تعالى وكذبت رسله من أنواع العذاب أما هذه الأمة فقد حظيت بنبي الرحمة العامة .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما :(هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن فمن آمن فهو رحمة له) في الدنيا والآخرة ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنهم ورفع المسخ والخسف والاستئصال عنهم).[xv]  . قال تعالى { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } الأنفال:( ٣3)
ذكر في التفسير المنير ربما كان الإمهال بالعذاب اختباراً ليرى ما يصنعون والله أعلم بما يفعلون ،  وربما كان عدلاً وفضلاً  تأخير العذاب ليتمتع الكفار بلذائذ الدنيا ، ثم يحرموا منها في الآخرة [xvi].
وجاء في السنة من دلالات الرحمة العامة ما يملأ الأفاق ،  من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم .: ( إنما أنا رحمة مهداة)[xvii]. وقوله صلى الله عليه وسلم: من لا يرحم لا يرحم [xviii]. وفي رواية: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل)[xix].
إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرحمة المهداة والنعمة المسداة استظل برحمته وتنسم فيوضات بركته كل من شهد بعثتهِ واستنار بهدي نبوتة. ومن اختار الكفر على الإيمان والضلالة على الهداية  أخر عذابه ونال من الرحمة الإمهال والإحسان إليه بالإطعام والجوار وتواصل الدعوة أملاً في هدايته ، قال تعالى :{ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُون} التوبة: ( ٦ )،  أي : ( وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم فأجره : أي كن جارا له مؤمنا محاميا
{ حتى يسمع كلام الله } منك ويتدبره حق تدبره ويقف على حقيقة ما تدعو إليه { ثم أبلغه مأمنه } أي إلى الدار التي يأمن فيها بعد أن يسمع كلام الله إن لم يسلم ثم بعد أن تبلغه مأمنه قاتله فقد خرج من جوارك ورجع إلى ما كان عليه من إباحة دمه ووجوب قتله حيث يوجد والإشارة بقوله: {ذلك} إلى ما تقدم من الأمر بالإجارة وما بعده { بأنهم قوم لا يعلمون} أي بسبب فقدانهم للعلم النافع المميز بين الخير والشر في الحال والمآل )[xx] .
وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : ( فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم )[xxi] : أي خير لك من الإبل الحمر وهي أنفس أموال العرب قال النووي : وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام وإلا فذرة من الآخرة خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها وفيه : فضيلة من اهتدى على يديه رجل واحد[xxii].
الدعوة إلى الله وهدي الناس إلى الإسلام من أعظم القربات وأجل الطاعات .  واليوم العالم في حاجة إلى الإسلام ، في حاجة إلي أخلاقه الفاضلة متعطش لتعاليمه الراشدة . فينبغي على أصحاب الهمم العالية والمقاصد النبيلة حض الأمة لتسخير كل طاقاتها ومعطياتها المعنوية و المادية على بساط الرحمة لنشر دعوة  الإسلام وهذا ما كان عليه السلف الصالح لهذه الأمة.
أما ما تتلقاه الأمة من مظاهر الاستفزاز المختلفة من الأعداء فينبغي ألا يصرفها عن الأهداف الكلية السامية أو يفقدها الوعي بدورها الإنساني، كتفرد بعضهم بأذى السياح في أرض الإسلام . مما يتنافى مع تعاليم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ، من إكرام الضيف وحسن الجوار .
والسائح قد يكون مسلماً جاء لتكتحل عيناه بمظاهر الإسلام أو ساقه الشوق أو جذبته هذه الأرض لأثارها وأسرارها أو فضولي أو غير ذلك .لذا ينبغي أن يرى ما يسره لا ما يضره وأن تهيأ أرض الإسلام لسياحة راشدة تظهر فيها الفضيلة وتزال عنها الرذيلة ويقوم فيها المعوج ،  بل جعلها ميداناً فسيحاً تبسط فيه الرحمة وتنشر فيه الدعوة ،  ولنا  في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة إذ كان يتحين مواسم الحج لعرض دينه على القبائل.


[i] - الفراهيدي؛ أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، دار إحياء التراث العربي، ص676، حرف العين.
[ii] - الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد (370هـ)، تهذيب اللغة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1421هـ/1991م، (1/2525).
[iii] - القاسمي؛ محمد جمال الدين القاسمي، محاسن التأويل، تحقيق أحمد بن علي، وحمدي صبح، دار الحديث، القاهرة، (1424هـ/2003م)،  (1/247).
[iv] - الشنقيطي؛ محمد الأمين، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، (1413هـ)، (1/47).
[v] - الزحيلى؛ أ.د.وهبة، مصدر سابق، (7/143). 
[vi] - الطبري؛ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل أي القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1421هـ، (17/126).
 [vii]- الترمذي؛ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي ، الجامع الصحيح، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1421هـ، (4/323).
[viii] - ابن حجر العسقلاني؛ مصدر سابق، (10/440).
[ix] - البخاري مصدر سابق (5/2238)، حديث رقم (5663). 
[x] - البخاري مصدر سابق، (5/2239)،  حديث رقم 2666 باب رحمة الناس والبهائم.
[xi] - القشيري؛ أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، (4/2022)، حديث رقم 2242.
[xii] - ابن كثير؛ مصدر سابق 3/270.
[xiii] - القرطبي، مصدر سابق 11/350.
[xiv] - الثعالبي؛  أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف، الجواهر الحسان في تفسير القرآن - المكتبة العصرية، بيروت، ط 1417هـ/1997م، (2/426). 
[xv] - البغوي؛ أبو محمد الحسين بن مسعود، معالم التنزيل، دار طيبة، الرياض، ط2، 1414هـ/1993م، (1/359).
 [xvi]- الزحيلي؛ أ. د. وهبة الزحيلى، مصدر سابق (17/144).
[xvii] - الحاكم؛ أبو عبدالله محمد بن عبدالله النيسابوري ، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ/1990م، (1/91).
[xviii] - البخاري؛ مصدر سابق، 5/2235، حديث رقم 2318.
[xix] - القشيري؛  مسلم بن الحجاج، مصدر سابق 4/1809 حديث رقم 2319.
[xx] - الشوكاني؛ مصدر سابق 2/491.
[xxi]- البخاري؛ مصدر سابق 2/468 رقم الحديث 3701، باب مناقب علي كرم الله وجهه.
[xxii]- آل الشيخ؛ عبد الرحمن بن حسن، فتح المجيد شرح كتاب التوحيد 1/92.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق