الخميس، 20 مارس، 2014

التعريف الفلسفي لمصطلح الحداثة



 كيف يعرف الفلاسفة و المفكرون العرب و الغربيون الحداثة  
          يعرف العروي "الحداثة"« إن هي وقف على أمرها, أنها نزع لمختلف "الميزات" التي تحتمي بها الأمم و تصير و تسيل»(11) " فالحداثة إذن"حالة تعاش"، و هي حالة بدالة سيالة، و أن شهود الإنسان  على أمر هذا :"التغيير"و"التبدل" هو الذي يدفعه للتساؤل حول "الحداثة"، و أن هذا "السيلان" نفسه هو ما يمنعه من أن يكوِّن عنها مفهوما"ثابتا " و "دقيقا"(12). «فالحداثة عنده [صارت] تكتسح كل المجالات». و«لا أحد [صار] يمكنه أن يوقفها»(13). و العروي يفضل الحديث عن "التحديث" عوض"الحداثة", و « الحال أن الناظر في تحديد"الحداثة" هذا يجد أن الحداثة, من حيث هي "شكل "سيال بلا مضمون مقرر أو معطى سلفًا مؤكد، إنما هي نهضت على رؤيا للأمور"جمالية" أو " استيطيقية" شأنها الاحتفاء بالإبداع و الابتكارو التجديد الدائم. ومن ثمة فإن اكتشاف الفن هو ما كان هو نتيجة لحركة الحداثة، و إنما هو تحديث نفسه كان بل هو الحداثة»(14).                                 
في  إطار حديث الدكتور العروي عن "التحديث" فإنه ورد "ثلاثة نماذج توجد في العالم العربي تختلف نظرتها للأخرى و هي :                                                
     أ – المهاجم للحداثة: حامل خطاب التقليد، أو ما يسميه العروي تارة" الفيلسوف اللاهوتي"، أو "الفيلسوف المتكلم" أو "الفيلسوف الكلامي"(15) و هذا النوع «يرفض الحداثة باسم قيم تاريخنا»(16) « و إن لسان ما قاله المعبر عن حاله لهو : ما كان ما تسمونه ، تهويلا و تأميلا ، باسم"الحداثة" سوى طرائق عمل تعقبها طرائق أخرى بلا توقف. فلماذا تعتبرون "الحداثة" أمرا من شأنه أن يحل محل " قيمنا"؟ إن"الحداثة" إلا أمر عابر، إن لم تكن هي "الأمر العابر" نفسه لا شيء أكثر! فلا خفاء إذن هي ما كانت الحداثة بشيء, إن هي إلا "بدعة" مصيرها ككل البدع إلى زوال!»(17) .                                                                                      
     ب – أما النوع الثاني, ذلك الذي يسميه العروي: المؤرخ الاجتماعي أو المؤرخ عالم الاجتماع,« إذ تتبدى [له الحداثة] في أمور ثلاثة: العلم  و الاقتصاد     و السياسة[ الديمقراطية], و تعكس في تعاليقها  هذا صورة الإنسان الحداثي»(18). فهو, كما يقول العروي، يقول :«أريد الحداثة باسم قيم البشرية المشتركة»(19).              
     ج- أما النوع الثالث  فهو ذلك "الحامل للحداثة" أو للخبير المتخصص،« فهو مستعد دوما للحديث عن شأن "التحديث" في قطاعه ... و بهذا تختفي "الحداثة" وراء "التحديث" و تستتر»(20).                                                                       
          هذا بالإضافة, فإن "للحداثة" عند العروي مقومات و هي ثلاثة : 1- العقل،2- الفرد،3- الحرية. " فمروية الحداثة الكبرى" عنده «تنطلق من الطبيعة، معتمدة على العقل في صالح الفرد، لتصل إلى السعادة عن طريق الحرية».           
          أما "الحداثة" عند مفكر مغربي ثان، هو عبد الكبير الخطيبي، ف «لا نكاد نعثر على مقال من جملة المقالات التي كتبها عبد الكبيرأو فصل من الفصول التي خطها أفردها هو للحديث عن "الحداثة"، اعتبارا و توسيما و استشكالا، و أوقفه عليها وقفا. مع ذلك (...) فهي إن لم تحضر بالاسم، حضرت بالرسم، لاسيما حضور حوار لا حضور إظهار. و لربما من أندر المناسبات التي حدد فيها الخطيبي تعريفه للحداثة، تلك التي أورد فيها أن "الحداثة" هي " إبداع المستقبل  و بناؤه"»(22).       
          و الحال أنه رغم غياب "الحداثة"، بالاسم «فما كانت علامات الحداثة لا و لا غاب هو النظر في أمرها. (...) إن فهم الحداثة انبنى عند الخطيبي على فهم هايدجيري للزمن: الحداثة هي المستقبل لا الماضي، و بالتالي فإن حداثتنا منفتحة على مستقبلنا مشرعة لا كامنة هي في ماضي الغرب متضمنة، فضلا على أن تكون بوادرها متضمنة في ماضينا. فما هذا الماضي المجيد المدعى سوى ماضي الميتافيزيقيا لا شيء آخر: هي هو و هو هي»(23). إن "الحداثة" عند الخطيبي لها سمات كثيرة، و منها: « حضور " المجتمع المدني" حضورا قويا و فاعلا, و العمل بمبادئ " حقوق الإنسان" مع تمشيتها على الواقع، لا الإكتفاء بمعاملتها على أنها واقع افتراضي لا حقيقي، و الاهتمام بشأن "العمل الجمعوي و الحياة المشتركة"»(24). لذلك كانت «"الحداثة الحقة"[عنده] هي تلك التي تختمر في عداد "المستقبل"، لا تستكن في حساب"الماضي"»(25).                                          
خلاصة القول, فإن الخطيبي يعتمد على النقد المزدوج: "نقد التراث" و "نقد الحداثة" و لذلك نجده يفتقد مقومات أو "ميتافيزيقيا الحداثة"، نقد العقل، نقد الذاتية، نقد الحرية.                                                                                             
          لننتقل الآن لمفكر مغربي ثالث، و هو علي أومليل. "فالحداثة" عنده «عملية متكاملة, في اكتساب معرفة متقدمة، و رفع مستوى المهارات و استيعاب التكنولوجيا المتطورة, و إنتاجية منافسة، إلا أنها أيضا حداثة سياسية ديمقراطية»(26).             
          يتحدث أومليل أيضا عن أواني و معاني أو"قيم الحداثة". فمن حيث "أواني

الحداثة" فهما مؤسسة "المجتمع المدني" و مؤسسة"الدولة الوطنية"(27). أما من ناحية "معاني الحداثة أو قيم الحداثة" فإنها تكمن خلف الأواني، أي أنها خلف "المنطق التي تأسست عليه الحداثة"، و يضع علي أومليل أيضا بدوره  بعض «المفاهيم التي نهضت عليها الحداثة. منها؛ العقلانية. و هي تنحل عنده إلى عقلانية طبيعية من جهة، و عقلانية اجتماعية، واقتصادية و سياسية من جهة أخرى»(28) . ثم "الحرية"، «الحرية  بمعناها الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي»(29).               
يعرف المفكر الدكتور المغربي الآخر، طه عبد الرحمان"الحداثة " بأنها «ألاَّ تقلد الحداثة، و إلا صارت هي إلى ضديدها؛ أي صارت تقليدا و هي الحداثة، إنما الحداثة تجديد لا تقليد (...) و من شأن الحداثة أنها لا تقبل التقليد. فكل مبدع حداثي و كل مقلد غير حداثي حتى و لو هو قلد الحداثة. فقد تحقق, أن الحداثة لا يمكن أن تكون إلا إبداعا. و أن من تقليد لها إلا و هو نسخ و ما من نسخ لها و إلا و هو مسخ»(30). و إذا نظرنا إلى المجتمع العربي «فما يدعيه[المثقف العربي] من انخراط في الحداثة إن هو إلا آية في التقليد ، و القدامة»(31).                                                         
          أورد طه عبد الرحمان عدة تعاريف وضعت للحداثة من طرف مفكرين و فلاسفة غربيين,« فمنهم من قال إنها النهوض بأسباب العقل و التقدم و التحرر، و من قال إنها ممارسة السيادة على الطبيعة و على المجتمع و على الإنسان، و هناك من يرى أنها قطع الصلة بالتراث، أو يقول إنها طلب الجديد، أو يقول إنها محو القداسة من العالم أو يصفها بالتعقيل و العقلنة، أو يقول إنها الديموقراطية أو حقوق الانسان، أو إنها قطع الصلة مع الدين، أو إنها العلمانية»(32). و يرى طه عبد الرحمان «أن المشترك بين  هذه التعاريف, على تباينها, إجماعها على "التهويل" من شأن  هذا "الشأن العجيب" الذي يسمونه" الحداثة"(...) و ما هذا التوسيم التهويلي، إن هو حقق أمره, إلا ضرب من" التوثين" أو " التصنيم" أو "التقنيم". و كأننا بالحداثة " كائنا تاريخيا عجيبا" يتصرف في باقي الكائنات يضرب من القدرة خارق و بمضمون من النظر غريب»(33).                                                                                
للحداثة عند طه عبد الرحمان, سمات تتلخص في ثلاثة مبادئ و هي :
أ‌-       «"مبدأ الرشد"؛ و يقتضي هو أن تخرج الحداثة الإنسان من حالة "القصور" إلى حالة "البلوغ", و ذلك من تحريره من اتباعيته و تحقيقه  لابتداعيته». (الاستقلال، التحرر، الابداع، التقنين).
ب‌-     «"مبدأ الثقة"؛ و هو المبدأ الذي يسمح للإنسان بالانتقال من الاعتقاد الخالي من الأدلة إلى الانتقاد المبني على الأدلة» (إعمال العقل، التمييز بين الأشياء).
ت‌-     مبدأ الشمول، و مداره على الخروج عن حال "الخصوص" إلى حال "العموم"»(34) (إرادة التوسع و التعميم).             
"الحداثة" عند طه عبد الرحمان, إذن, هو قدر كوني، و نهر عظيم لا مناص من الاستحمام فيه. فالحداثة لا تخص مجتمعا بعينه، بل إن هناك حداثات عالمية.         
لننتقل الآن إلى المفكر المغربي المعاصر، المعروف ببحثه و عنايته « بموضوع" الحداثة" تعريبا و تنويرا, و ذلك حتى صار هو لا يكاد يعرف إلا بها  و صارت هي لا تكاد  و لا تنسبُ إلا إليه»(35). و كما أشرنا من قبل فإن سبيلا يعترف في كثير من المواضع بأن مفهوم الحداثة مفهوم ملتبس و غامض، بل إن الرجل ينبه إلى هذا الأمر«كلما افتتح الكلام بالحداثة" معرفا أو واسما أو مستشكلا»(36).                   
          يرجع الأستاذ محمد سبيلا أسباب التباين مفهوم الحداثة إلى ضربين: «ضرب يخصنا[ نحن العرب و المسلمين]، و ضرب يخص أهلها [أي الغرب]. ففيما يخصنا، فإن الصعوبة في توسيم الحداثة ناجمة عن أننا لا نحيا الحداثة على وجهها الكامل و لا التقليد على وجهه الأصيل، بل تحيى وضعا "بينيا"؛ بين حداثة خلاسية و تقليد هحين. (...) و لذلك صعب هو علينا تبيين معالم "معنى الحداثة". و أما فيما يتعلق بالتباس الحداثة حتى على أهلها ، فإن ذلك عائد إلى التعددية التي تطبعها»(37)، هذه التعددية ذات أوجه فهناك "التعددية التداولية" ثم" التعددية الطبوغرافية" ثم ثالثا و أخيرا "التعددية الخرائطية"(38).                                  
          "الحداثة" عند سبيلا إذا دخلت على المجتمعات التي لم تعرفها فإنها «تخرج هذه المجتمعات من دائرة التكرار و الاجترار و المراوحة و تفجير دينامية التحول بما يستتبع ذلك من اهتزاز في القيم و العادات و الهويات، و من تقطعات تلحق وتيرة الاتصال و الاستمرار»(39).                                                                    
إذا كان من الصعب تحديد مفهوم دقيق "للحداثة" فإنه لقاء ذلك يمكن تعيين بعض مظاهرها و معالمها و هي كما حددها محمد سبيلا: يلخصها الرجل في عنصرين رئيسيين هما «الحداثة المادية, و تعني التحسنات التي تلحق الإطار الخارجي للوجود الإنساني»(40) (الإقتصاد، قطاع الخدمات المختلفة، السياسة، السلطة ...). أما العنصر الثاني فهو«" الحداثة الفكرية"، و تعني الرؤية و المنهج     و المواقف الذهنية التي تهيئ تعقلا يزداد تطابقه بالتدريج مع الواقع»(41). و في إطار حديث سبيلا عن معالم الحداثة العربية فإنه طرح الأسئلة التالية: «هل الحداثة هي التغير؟ هل هي التقدم؟ أم الشك؟ أم السرابية؟ أم النقد أم العدمية أم اللعب أم التاريخانية أم التشيؤ أم سيادة الروح الدهرية أم ماذا!». و يسترسل الرجل كلامه محاولا تعريف الحداثة قائلا:« و لعل المقصود بالحداثة تاريخيا هي مجموع التحولات التقنية و التنظيمية و الفكرية التي حدثت في أوروبا ابتداء من القرن التاسع عشر. أما الحداثة بالمعنى الفلسفي فهي مجموع  المعايير و الأنماط المستنبطة من هذه التحولات و التي يمكن اتخاذها مقاييس و عتبات لهذه التحولات»(42).            
          أما "الحداثة" في الغرب فإن أول مفكر فكر فيها هو هيجل، حسب ما يقوله سبيلا: «أول مفكر تحقق لديه وعي واضح بالروابط العميقة بين الأحداث الكبرى المدشنة للحداثة و استشعر جدتها الكلية بالقياس إلى ما سبقها، و فطن إلى الدلالة الفلسفية المشتركة بين أحداث متناثرة و متنافرة هو هيجل(Hegel)»(43). و يقول محمد سبيلا في نفس السياق: « كان  لهيجل إذن فضل استشفاف المعالم الأولى للتحولات التاريخية المرافقة للحداثة، و فضل محاولة استخلاص أساسها الفلسفي، مستشعرا أن البشرية قد دخلت مع العصر الحديث عهدا جديدا، أنجز قطيعة جذرية مع الماضي، معلنا "بزوغ جديد و رائع للشمس" قوامه الفلسفي الحرية الذاتية كما تبلورت في الأحداث التاريخية الكبرى الفاصلة بين العصور الوسطى و العصور الحديثة»(44).                                                                                      
إن تشخيص و تحديد الماهية الفلسفية للحداثة عند هيجل «تتمثل بشكل أساسي في الذاتية ببعديها الأساسيين : الحرية و الفكر." إن ما يجعل عصرنا عصرا عظيما - كما يقول هيجل- هو الاعتراف بالحرية و بملكية الفكر". عناصر هذه الذاتية – كما يقوم بتفكيكها هابرماس – هي :                                                                 
-        النزعة الفردية,
-        الحق في النقد و إعمال العقل,
-        استقلالية العقل البشري,
-        الفلسفة المثالية»(45).
كما قدم هيجل بعض الشروفات و التمزقات التي أتت بها الحداثة و أصابت الواقع و الوعي ، و تتمثل في: انقسام العقل على نفسه، كما تعكس ذلك معمارية العقل في فلسفة كانط، التعارض بين العقل و الحياة، غياب الوحدة الروحية التي كان يؤمنها الوعي الديني، استقلالات و تمايزات داخل دائرة الثقافة ( استقلال العلوم و المعارف), استقلال دائرة المعرفة عن دائرة الإيمان، حاجة العصور الحديثة إلى المصالحة مع نفسها خاصة، و أنها تقوم على الجدة المطلقة، و الانفصال الجدري عن الماضي و قيمه و معاييره(46).
أما "هايدجر" فالحداثة عنده ميتافيزيقيا و ليست ضد الميتافيزيقيا كما هو الشائع. يقول محمد سبيلا في هذا الصدد: « لكن هيدجر ينظر إلى الحداثة بحيث هي حمالة لمشروع ميتافيزيقي، لا من حيث هي  في ذاتها ميتافيزيقا»(47). و يُرجع هايدجر في قوله بأن الحداثة ميتافيزيقية إلى كون العلم تقني في جوهره، و التقنية إطار للحداثة، يقول سبيلا، «إن العلم إذن تقني في جوهره، و التقنية هي إطار الحداثة، بل هي جوهر الحداثة، ذاتها لدرجة أن فهم الحداثة يتطلب التأمل في ماهية التقنية من حيث هي العنصر المحدد لها تحديدا شاملا. إلا أن التقنية, كما يتحدث عنها هايدجر، ليس هي الأشياء و المخترعات التقنية و الآلات التقنية، بقدر ما هي ذلك الموقف التقني La position technique لأن ماهية التقنية ليس شيئا تقنيا بل هي موقف و ميتافيزيقيا. أي نمط لعلاقة الانسان بالأشياء المحيطة به»(48).
إن اعتبار هايدجر الحداثة ميتافيزيقا جعله يرفض أيضا ما يسمى "بالنزعة الانسانية"« بما هي احتفاء  بالإنسان، لأن كل نزعة إنسانية هي في حقيقتها نزعة ميتافيزيقية، و بالتالي فهي نسيان للكينونة. و لكن رفض هايدجر النزعة الإنسانية، لا يعني أنه يدشن مملكة الانسان، أو أنه يحط من شأن الإنسان, و ينتقص منن كرامته، بل يعني أنه يضع من إنسانية الانسان في محل أرفع، من المحل الذي  سنحته الحداثة للإنسان، حيث يصير الانسان حارس الوجود و راعي فسحة الكينونة, بدل أن يكون ذاتا متمثلة لوجود الموجود من خلال العقل و من خلال فعل التمثل»(49). هنا «لا يصير الإنسان سيد الوجود إنما يكون راعي الوجود حيث يدعوه الوجود إلى رعايته و حفظه  و صيانته»(50). إن حقيقة الحداثة التي تدعي أنها تحتفي بالإنسان، فإنها لا تسمو بماهيته و لا تجل من شأنه، إنها بعكس ذلك، تبخسه حقه و حقيقته لا تفي بماهيته الأصيلة.
لقد سبق و أن قلنا بأن هيجل هو أول من حدد الوعي الفلسفي للحداثة، « فإن البراعم الأولى لهذا الوعي، و إن بصورة غير واضحة، يعود إلى فيلسوفين آخرين, أولهما ديكارت الذي ارتبط, عبر الكوجيتو, بانطلاق دينامية الفكر الحديث، مقدما الأساس الصلب لفكر الحداثة، و ثانيهما كنط الذي يعتبره البعض مفكر الحداثة         و بؤرتها و مرآتها بينما يعتبر آخر أنه يشكل ردة بالقياس إلى ديكارت، و ثورة كوبرنيك مضادة»(51). و قد اعتبر هايدجر كانط مؤسس ورائد الحداثة الفلسفية، على عكس هو  هوسرل الذي يرى نقيض ما يراه هايدجر على اعتبار أن إشكالية الحداثة عند كانط تماثل إشكالية ديكارت. و يذهب ميشيل فوكو، مع الطرح الذي ذهب إليه هايدجر و يعتبر كانط عتبة الحداثة من خلال سؤال التنوير(52).
و نجد هابرماس حيث أقدم على نقد الحداثة باعتبارها لم تستغل كل إمكانياتها استغلالا تاما، فإنه يقر بأن الحداثة "مشروع لم يكتمل بعد"، فإنه تجدد مستمر و سيرورة لا متناهية. كما نجد هابرماس يعتبر عصر ما بعد الحداثة ردة فعل محافظة و يائسة ضد التنوير. لكن هناك الإخوة "بومة غارنوت" و "هارتموت بومة"، قد وقفنا موقفا وسطا، فشبها الحداثة بالعملة إذ هي ذات وجهين متعارضين: وجه إيجابي و وجده سلبي، فالوجه الأول يتجلى في ظهور العقلانية و سيادة قيمها في جل مظاهر الحياة العصرية، أما ا الوجه الثاني فيتمثل في تهميش كل ما يمس بصلة بالرغبات الجسدية و الأهواء و الخيال و المتخيل و النوازع الطبيعية. و لهذا السبب يبرز في تاريخ الأفكار الغربية مفهوم "ما بعد الحداثة" عند المؤرخ البريطاني توينبي 1959، فجعله يدل على علاقات ثلاث ميزت الفكر و المجتمع الغربيين بعد منتصف هذا القرن و هي : اللاعقلانية و الفوضوية و التشويش.
كما نجدد ثلة من الفلاسفة يعرفون بفلاسفة الاختلاف أو فلاسفة الصوت أمثال: ميشيل فوكو، و جاك دريدا و جيل دولوز، تتلخص أطروحتهم في الرفض التام لشعار التنوير، و اعتباره مجرد وهم ليس إلا، فهذا فوكو يدعو إلى تطوير أنماط جديدة من السلوك و التفكير و الرغبة، أنماط تنبني على التعدد و التنوع و يتجلى هذا التصور في تفكيك فوكو لميكانيزمات السلطة التي اعتبرها لا نهائية(53).
يعرف الفيلسوف المعاصر جان بودريار الحداثة: « صيغة مميزة للحضارة, تعارض صيغة التقليد، و جميع الثقافات السابقة, أو التقليدية»(54). إن الحداثة عنده نمط جديد عما هو قديم، و يتعارض معه. يقول بودريار« ليست الحداثة مفهوما سوسيولوجيا و لا مفهوما, سياسيا, و ليست الحداثة مفهوما تاريخيا، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية. فمقابل التنوع الجغرافي و الرمزي لهذه الأخيرة تفرض الحداثة نفسها على أنها شيء واحد متجانس، يشع عالميا انطلاقا من الغرب . ومع ذلك فهي تظل مدلولا ملتبسا يشير إلى تطور تاريخي و إلى تغير في الذهنية»(55). فالحداثة عنده ليس ثابتة و مستقرة، بل هي متحولة و متحركة لا تقبل الإحالة عليها  إلا من حيث هي منظومة من القيم، و أسطورة؛ فهي بذلك:«ليست مفهوما يصلح كأداة للتحليل و لذلك فإنه ليست هناك قوانين للحداثة، بل فقط معالم للحداثة. ليست هناك أيضا نظرية في الحداثة، بل منطق للحداثة و إيديولوجيا للحداثة»(56). و هكذا فالحداثة عند بودريار« ليست فقط هي واقع الانقلابات التقنية و العلمية و السياسية, بل هي أيضا لعبة الرمز و العادات و الثقافة. هذه اللعبة التي تعكس التحولات في البنية على مستوى الطقوس و التهييء الاجتماعي»(57).
ترى الباحثة الفرنسية دنيال هيرفيولوجيه ، من خلال دراستها للعلاقة المتشابكة بين "الحداثة" و "الدين" و "العلمانية"، أن الحداثة مسار تاريخي طويل للتحرر من عقال الدين و الارتكاز على العقل و العلم.
أما فريديريك نتشه، فقد انتقد الحداثة ، بانتقاده "للعقلانية الحداثوية" حيث يرى نيتشه العقلانية الغربية « ذات الجذر الأفلاطوني و الأساس الديكارتي, تظهر عبر التشخيص النقدي أنها تقمع سؤال الحقيقة و لا تتجرأ على طرحه ، و تحجب الموجود الذي تدعي الكشف عنه، و تحل المفهوم محل الحدث، و الفكر محل الواقع، و العقل محل الجسد»(58). إن العقل الحداثوي  هو أحد العوالم  الرئيسية لأزمة الحداثة الغربية، و مظهرا أساسيا من مظاهر الانحطاط  الثقافي، فالحداثة تقوم على أساسي إضفاء صفة المطلق على هيئتها الحاضرة، بما هي انقطاع جذري عن الأصل، و بما هي انغراس كلي في الحاضر(59).
من هنا يذهب نيتشه في المسار الذي ذهب إليه هايدجر عندما اعتبر أن الحداثة ميتافيزيقا، «فالحداثة [عند نيتشه] عبارة عن وهم و ميتافيزيقا جديدة أتت لتسد الفراغ الذي خلفه خسوف الميتافيزيقا التقليدية، و غياب معانيها الكبرى، و غاياتها النهائية. فليست الحداثة في المنظور النيتشوي غير البعد الوهمي للحاضر الغربي، غير هذا الوهم بأن الحاضر عبارة عن حضور خالص و مطلق. فالحاضر بمثابة وهم, لأنه يخفي و يحجب حضور الماضي فيه، و هو حضور ثقيل، و يلقي بظلاله الكثيفة على الحاضر مما يجعله مجرد وهم حضور, يتمثل هذا الوهم إذن في الاعتقاد في "الحداثة", أي في اعتبار الحاضر جديد في كليته مقارنة مع الماضي، و أنه يمثل قطيعة جذرية مع الأصل»(60)، و لهذا كان «خطاب الحداثة خطاب مخاتل و مخادع، لأنه كله مساحيق و أقنعة؛ فهو يعاني من تناقض صارخ بين قصدية الخطاب و ما يسكت عنه الخطاب»(61)، ما يقوله الخطاب و يصرح به هو أن الحداثة عقلانية، و ما يسكت عنه هو اللاعقلانية الموجودة في العقلانية و المتمثلة في المجتمع.
«إن ما يبينه النقد الجينيالوجي هو أن الحداثة تدعي التحرر من الماضي و التراث، فيما هما يمارسان حضورهما و فاعليتهما في لغتها و مفاهيمها و تصوراتها و ممارستها، بل في مجمل نشاطاتها.(...) و لهذا يدعو نيتشه إلى تجاوز الثنائيات التي تتحكم في خطاب الحداثة، كثنائية الحقيقة و الخطأ, أو الصدق و الكذب ، و ثنائية الخير و الشر، و ثنائية الوجود و الظاهر، أو العمق و السطح. (...)[ لأنها] تنم في نظر نيتشه عن إشكالية عقيمة و مزيفة، لأن الماضي أو التراث [ مثلا] ليس ماضيا مضى, بل هو, تبعا لزمان العود الأبدي، مستقبل يحضر، و حاضر يمضي بمعنى أنه جزء من بنية الحاضر، و هو يمارس فاعليته و حضوره عبر مختلف مظاهر الثقافة و الحضارة...»(62). إن المهم عند نيتشه إذن ليس هو التعارض القائم بين الماضي و التراث و الحداثة بين القديم و الجديد، « بل هي في طريقة التعامل مع الماضي و التراث، و هي أيضا كيفية الانتماء إلى الحداثة»(63).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق