الخميس، 20 مارس، 2014

إشكالية العلاقة بين التراث و الحداثة



 إشكالية العلاقة بين,التراث و الحداثة , "الأصالة و المعاصرة", "الإتباع و الإبداع", "التقليد و التحديث","التأصيل و البعث أو الإحياء"..
          
مر إلى حدِّ الآن عقود على الجدال الواسع الذي شهدته الساحة العربية, خصوصا في أوساط الفئة المثقفة, حول موضوع أو إشكالية العلاقة بين, "التراث و الحداثة", "الأصالة و المعاصرة", "الإتباع و الإبداع", "التقليد و التحديث","التأصيل و البعث أو الإحياء"... و قد ظهر هذا "الهم" و الاهتمام بهذا الموضوع في ظل ما يعرف, بالأوساط الشعبية, بـ"التقدم و التأخر", و لذلك كان لحضور هذا "الهم", خصوصا في الفكر العربي الحديث و المعاصر, أسبابه و تبريراته.
          لا أحد منا تخفى عليه النكبة أو النكسة التي تعرض لها المجتمع العربي و الإسلامي, تلك النكسة المعروفة بنكسة يونيو(حزيران) 1967 التي كان لها وقع مؤثر على نفسية و فكر المجتمع العربي و الإسلامي بكل تلاوينه؛ تلك النكسة التي جعلت المجتمع العربي و الإسلامي يطرح العديد من التساؤلات بعد صدامهم بالثقافة الغربية خلال فترة الاستعمار؛ كما وضعت  الفكر العربي و الإسلامي في حيرة و تشويش. فكان أن تمت محاولة إعادة تأثيث مشاكله على أرضية منفتحة تسعى إلى التشخيص الجديد, سواء الفردي أو الجماعي, للمشاكل لتي يتخبط فيها العالم العربي و الإسلامي. إن ما عرفه العالم العربي و الإسلامي, وما يزال يعرفه, من مشاكل في جميع الميادين و المستويات منذ عصر النهضة, وما يعيشه من تكلس و تخلف و انحطاط و اجترار و تكرار, جعل من المثقفين العرب الحداثيين و المعاصرين طرح عدة أسئلة, منها ذلك السؤال الشهير: "لماذا تقدم الغرب و تأخر الشرق؟ و للتخصيص: لماذا تقدمت أوروبا و تأخر العرب؟ بل إن السؤال أحيانا يذهب بعيدا فيقال: لماذا تطوَّر اليهود و النصارى و تخلَّف المسلمون؟ و قد يُطرح السؤال بشكل آخر فيقال: لماذا تقدم العرق أو العقل الحامي و تأخر العرق أو العقل السامي؟ كما يحلو لبعض شواذ الفكر أن يتساءلوا. هذه الأسئلة و مثلها و غيرها غالبا ما تطرح في إطار علاقة الأنا بالآخر.
          ينبغي أن نشير هنا إلى أن إثبات صحة ديانة معينة من خلال ما وصلت به أمتها أو حاملتها من درجة التطور أمر مرفوض تمامًا. فلا يمكن قياس حال ديانة ما بحال أهلها. هذا ما يفعله بعض الأوروبيين المتعصبين لديانتهم, و لا ننكر وجود هذا الأمر في المجتمعات العربية الإسلامية, و لكن ليس بنفس الدرجة. إن بعض الغربيين يقولون إن سِرّ تطور الغرب راجع و بفضل ديانتهم التي يعتنقونها. كلا ثم كلا, ليس الأمر هكذا؛ فكما لا يمكن قياس حال الإسلام مثلا, و بالتالي صحته أو خطأه, على حال أهله, أي حال أهل الإسلام؛ كذلك لا يمكن قياس حال المسيحية و غيرها من الديانات, و بالتالي إثبات صحتها أو خطئها, على حال أهل المسيحية . فليُعتبر.
          إن جميع الدراسات و الأبحاث الفكرية التي أقيمت حول التراث كانت الغاية منها هو الوصول إلى كيفية الإفادة من تراث الماضي في إحداث نقلة نوعية في التنمية العربية المعاصرة من أجل مستقبل أفضل و اللحاق بركب "الحداثة". و قد توسع مجال الاهتمام بـ"التراث" إلى حد أنه وصلت القضية إلى الإعلام السمعي و البصري و الصحافة  كذالك, حيث سعى أعلام النهضة العربية في القرن التاسع عشر الذين كانوا يرومون إقامة أمّة عربية موحّدة مستقلة، إلى إحياء التراث العربي،  من أجل إشاعة شعور لدى العرب بأنهم أُمّة واحدة ذات هوية متميزة عن غيرها من الأمم، بتاريخها الواحد، ولغتها الواحدة، وتراثها الشعبي المتميِّز، وثقافتها المشتركة. ولهذا اقتصرت حركة إحياء التراث في بدايتها على تحقيق المخطوطات التراثية التي تتناول اللغة والأدب والتاريخ والفقه والتفسير والحديث.
          وقد نتج عن هذا الأمر, أن ظهرت آراء و مواقف مختلفة, بين أولائك المدافعين عن "التراث", وبين أولئك الذين أضحى التراث، في نظرهم، مسؤولاً عن هزائم الأمة وانكساراتها ورأوا ضرورة التخلُّص من كل ما هو قديم والأخذ بالجديد من أجل اللحاق بالغرب المتطوِّر. وأطلق على هذه المعارك الفكرية اسم " القديم والجديد" وما يتعلَّق بها من مقارنات بين " الشرق والغرب" أو " الإسلام والغرب" أو "العرب والأوربيين", كما أشرنا من قبل.
          ينبغي، مرة أخرى، أن نشير إلى أن الإنسان يمتاز عن الحيوان في القدرة اللغوية وقابلية التفكير والعمل. فالحيوان لا يستطيع الاستفادة من خِبَر وتجارب أسلافه من الحيوان، ويقتصر الإرث الذي يناله على الإرث البيولوجي؛ في حين أن الإنسان قادر على الاستفادة من معارف أسلافه وخِبراتهم وأفكارهم، والإضافة إليها وتطويرها بتجاربه ومعارفه وعلمه، من أجل بناء حاضره وتقدمه في مستقبله.
          "كيف نستعيد مجدنا..؟ كيف نحيي تراثنا..؟". "كيف نعيش عصرنا؟، كيف نتعامل مع تراثنا؟". كيف نحقق ثورتنا؟.. كيف نعيد بناء تراثنا؟" هذه هي الأسئلة التي يطرحها الفكر العربي كاملاً منذ فترة طويلة ، كما يراها المفكر الراحل محمد عابد الجابري في أول كتاب ظهر له قبل أكثر من ثلاثين عاماً:" نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي". ومنذ ذلك الوقت والجابري يعود إلى التراث ليُعيد من خلال منظوره الخاص ترتيب الرؤى الفكرية والفلسفية التراثية مُنطلقاً من أرضيـة معرفية تأصيلية للتراث.
          وإذا أردنا أن نعطي بعض اللمحات , في هذه المقدمة, حول مشروع الجابري, فلابد الإشارة أولا إلى أن  مشروع الجابري من التراث هو مشروع حفري تاريخي تحليلي مُتعقـْلن لا يدور في خانة الرفض ولا في خانة القبول ، بل في خانة القراءة الإبيستيميولوجية (نظرية المعرفة)، أو طريقة التفكير والنظام المعرفي الذي يحكم سياقا تاريخيا معيناً ، سواء كان ماضياً أو معاصراً . ولذلك نجده يُمارس نقده للخطابات المعاصرة في بعض كتبه مثل: "نقد الحاجة إلى الإصلاح" , "الخطاب العربي المعاصر", كما أنه قام بتبيين و بتحليل و اكتشاف البنية التي يقوم عليها "العقل العربي".
          إن الوضع المتدني الذي يعيشه المجتمع العربي و الإسلامي فرضت عليه أن يبحث و يناقش في مواضيع عديدة, عسى أن يجد ضالته التي يبحث عنها, منها إشكالية "التراث و الحداثة", على اعتبار أن التقدم الذي وصل إليه الغرب عن طريق ما يسمونه اليوم عموما بالحداثة, ما كان  ليتحقق لولا القطيعة التي أحدثوها مع تراثهم, التراث الإغريقي و الروماني. و مقاسة على ذلك طرح إشكال "التراث أو التقليد" و الحداثة أو المعاصرة في الفكر العربي الحديث و المعاصر, و قد تم الاهتمام كثيرا بهذا الموضوع بشكل كبير إل حد أنه أقيمت له ندوات ودراسات و مناقشات و لقاءات.
          هنا إذن يمكن أن نتبين أهمية هذا البحث المتواضع, إنه بحث يحاول أن يجد طريقا إلى الحداثة و مخرجا من هذا التخلف المدقع الذي تعيشه الدول العربية و الإسلامية  واللحاق بركب الحداثة؛ فبغض النظر عن أن إشكالية التراث و الحداثة, إشكال معاصر و لا زال المثقفون والمفكرين يبحثون فيه؛ فإن لهذا الموضوع أهمية كبرى في انه يرسم الطريق, لا نقول الصحيح, بل الممكن, الذي قد يؤدي أو يجعل المجتمعات العربية في أحسن الأحوال.
          يأتي هذا البحث إذن, من أجل مقاربة الواقع الإجتماعي و الفكري الذي تعرفه  الدول العربية و الإسلامية. و قد كان هذا الأمر من بين الدوافع و الأسباب التي حفزتني على الاشتغال بالموضوع. يرجع الفضل باهتمامي بهذا الموضوع إلى كتاب الدكتور محمد الشيخ المعنون بـ " المغاربة والحداثة: قراءة في ستة مشاريع فكرية مغربية", و ما أعجبني في هذا الكتيب الصغير الحجم الغزير المعرفة و الإفادة, هو "أسلوب الكتابة"؛ بحيث أمه أسلوب جميل  وبسيط و عتيق في نفس الوقت. و هو الذي عرفني على مشروع محمد عابد الجابري و أفكاره و على مجموعة من النخبة المثقفة المغربية التي لم أكن أعرفها, بكل تواضع, مثل علي أومليل.
          لقد تحقق إذن أن الغرض من هذا البحث المتواضع هو المساهمة, بقدر ما, في حل و فك عقدة التراث و الحداثة والمشاكل التي تعيشها المجتمعات العربية و الإسلامية من جهة, ومن جهة ثانية إحياء فكر الراحل الذي غاب عنا هذه الأيام, و للإشارة فقط, فإني كنت أشتغل في إنجاز البحث قبل أن يموت الجابري رحمة الله عليه و كنت عازما أن أراسله عن طريق موقعه الإلكتروني, لكن لملك الموت قول آخر؛ لكن إن مات الجابري كشخص و جسم, فما مات فكره وما جفت كتبه وما متت معه مشاريعه و نظرياته.
          و إذا كان الوقت لم يسعفنا في الإطلاع أكثر على كتب الجابري القيمة , إلا أننا اعتمدنا على كتابين ينسبان إليه في بحثنا هذا, و أقصد الكتابين المذكورين سابقا: "التراث و الحداثة: دراسات و مناقشات" ثم " نحن و التراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي". و قد أصدر الجابر كتب أخرى تهم هذا الموضوع أيضا, و أقصد بذلك مشروعه في "نقد العقل العربي" الذي هو عبارة عن أربعة أجزاء: "تكوين العقل العربي", " بنية العقل العربي", " العقل السياسي العربي", " العقل الأخلاقي العربي".

هناك تعليق واحد:

  1. اريد باختصار العلاقة بين التراث و الحداثة في الخطاب النقدي
    انا عندي امتحان في هاذا الموضوع و جزاكم الله الف خير

    ردحذف