الجمعة، 21 مارس، 2014

مفهوم الحياة الطيبة



 
مفهوم الحياة الطيبة

يقول أحد أذكياء الإنجليز: بإمكانك وأنت في السجن من وراء القضبان
الحديدية، أن تنــظُر إلى الأُفُقُ، وان تُخرج زهرةً من جيبك
فتشُمَّها وتبتسم، وأنت مكانك، وبإمكانك وأنت في القصر على الديباج والحرير،
أن تحتدَّ وان تغضب وان تثورَ ساخطاً من بيتك وأسرتك وأموالك. إذن
السعادة ليستْ في الزمان ولا في المكان، ولكنَّها في الإيمان، وفي
طاعة الدَّيَّان، وفي القلب، والقلب محلُّ نظرِ الرَّبِّ، فإذا
استقرَّ اليقين فيه، انبعثت السعادة، فأضفَتْ على الروح وعلى النفس
انشراحاً وارتياحاً، ثم فاضت على الآخرين، فصارت على الظِّراب وبطون
الأودية ومنابت الشجر.
أحمد بن حنبل عاش سعيداً، وكان ثوبه ابيض مرقَّعا، يخيطه بيده، وعنده
ثلاث غُرَف من طين يسكنها، ولا يجد إلا كسر الخبز مع الزيت، وبَقي
حذاؤه - كما قال المترجمون عنه - سبع عشرة سنة يرقِّعه ويخيطه، ويأكل

اللحم في شهره مرَّّةً ويصوم غالبَ الأيام، يذرع الدنيا ذهاباً
وإياباً في طَلَب الحديث، ومع ذلك وجدَ الراحة والهدوء والسكينة
والاطمئنان، لأنه ثابت القَدَم، مرفوع الهامة، عارفٌ بمصيره، طالبٌ
لثوابٍ، ساعٍ لأجر، عاملٌ لآخِرةٍ، راغبُ في جنَّةٍ. وكان الخلفاء في
عهده - الذين حكموا الدنيا- المأمون، والواثق والمعتصم، والمتوكل،
عندهم القصور والدُّور والذهب والفضة والبنود والجنود، والأعلام
والأوسمة والشارات والعقارات، ومعهم ما يشتهون، ومع ذلك عاشوا في كدر،
وَقضوا حياتهم في هم ًّوغمًّ، وفي قلاقلَ وحروبٍ وثوراتٍ وشغبٍ
وضجيجٍ، وبعضهم كان يتأوه في سكرات الموت نادماً على ما فرَّط، وعلى
ما فعلَ في جنبِ اللَّه.
ابن تيمية شيخ الإسلام، لا أهل ولا دار ولا أسرة ولا مال ولا منصب،
عنده غرفةٌ بجانب جامع بني امية يسكنها، وله رغيفٌ في اليوم، وله
ثوبان يغيرُّ هذا بهذا، وينام احياناً في المسجد، ولكن كما وَصفَ نفسه
جنَّته في صدره، وقتله شهادة، وسجْنه خلوةٌ، وإخراجهُ من بلده
سياحةٌ، لأن شجرة الإيمان في قلبه استقامتْ على سُوقها، تُؤتي
أُكُلَها كلَّ حين بأذن ربِّها، يمُدُّها زيت العناية
الربانية،«يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْه ُنَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ
يهدي الله لنوره من يشاء»، «كفر عنهم سيئاتهم واصلح بالهم»، «والذين
اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم»، «تعرف في وجوههم نضرة النعيم». خرج
أبو ذرّ رضي اللَّه عنه وأرضاه الى الرَّبذة، فنصبَ خيمتَهُ هناك،
وأتى بأمرأته وبناته، فكان يصوم كثيراً من الأيام، يذكر مولاه،
ويسبِّح خالقه، ويتعَّبد ويقرأ ويتلو ويتأمَّل، لا يملك من الدنيا إلا
شمْلةً او خيمة،وقطعهً من الغنم، مع صفحةٍ وقصعة ٍ وعصا.
زاره أصحابُه ذات يوم، فقالوا: اين الدنيا؟ قال: في بيتي ما أحتاجه من
الدنيا، وقد أخبرنا -صلى الله عليه وسلم- أن أمامنا عقبة كؤوداٍ لا
يجيزها إلا المخُففُّ. كان منشرح الصدر، ومثلج الخاطر، فعنده ما
يحتاجه من الدنيا، أما ما زاد على حاجته، فأشغالٌ وتبعاتٌ وهمومٌ وغمومٌ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق