الخميس، 20 مارس، 2014

تعريف مفهوم التراث عند محمد عابد الجابري



إن تحديد دلالة  التراث تختلف من مفكر إلى آخر. وإن كنا نجدها متقاربة فيما بينها. ومن هذا المنطلق خصصنا هذا الفصل للنظر في الحمولة الدلالية التي يعطيها دكتورنا لمفهوم "التراث" , والكيفية التي يتعامل معه بها, ونقصد بذلك المنهج.
          كثيرا ما يتساءل الناس لماذا كل هذا الإهتمام بالتراث؟ فتعددت الأجوبة واختلفت الآراء , فهناك من يقول بأن الأمر يتعلق "بردة فكرية" وهناك من يقول بأن الأمر يتعلق "ظاهرة مرضية" و"بعصاب جماعي" أصاب المثقفين العرب بعد نكسة 1967 فارتادوا ناكصين إلى الوراء, إلى "التراث".«إن هؤلاء يتخيلون أن "التراث" العربي الإسلامي هو ككل تراث , مجرد بضاعة تنتمي إلى الماضي ويجب أن تبقى في الماضي...»3. ولذلك نجد من يقول (العروي): «مخيف هذا التعلُّق بالماضي'' ملاحظًا أن ''الأهمية التي تعطى للتقليد,باعتباره قيمة,تبدو مقلقة»4, بل هناك من يقول (علي أومليل): «وما عسانا أن نفيد من التراث في هذه المسألة؟»5, أي في مسألة الحداثة, بل هناك من يذهب أكثر بعدا من هذا, فيطلق (عبد الكبير الخطيبي) : « لفظ "ميتافيزيقا" – أو "لاهوت"- على مجمل الإنتاج الثقافي العربي الإسلامي في خطوطه الكبرى» 6.         
يرد الجابري على هذه المواقف كلها بأنها «تنم عن عدم تقدير كاف للمشكل المطروح في الثقافة العربية. ذلك أن ما يميز الثقافة العربية  منذ عصر التدوين إلى اليوم هو أن "الحركة" داخلها لا تتجسم في إنتاج الجديد, بل في إعادة إنتاج القديم»7.حيث يعتبر الجابري أن عصر التدوين,الذي كان في القرن السابع الهجري هو عصر نهايــة الإنتاج, إنتاج الجديد, إنه عصر «تكلُّس و تقوقع و اجترار»8,فساد ما سمَّاه الجابري « "الفهم التراثي للتراث" و هو الفهم الذي ما زال سائداً إلى اليوم»9. 
          يُعرّف الجابري "التراث", و هذا التعريف ذكرناه من قبل, أنه: «الموروث الثقافي و الفكري و الديني و الأدبي و الفني, و هو المضمون الذي تحمله هذه الكلمة داخل خطابنا العربي المعاصر ملفوفاً في بطانة وجدانية و إيديولوجية,لم يكن حاضراً لا في خطاب أسلافنا و لا في حقل تفكيرهم, كما أنه غير حاضر في خطاب أية لغة من اللُّغات الحية المعاصرة التي "نستورد" منها المصطلحات و المفاهيم الجديدة علينا»10. و للدكتور الراحل تعريف أدق "للتراث" قد ينسف مرامي أصحابه الحداثيين لرفض "التراث" و نقضه, فيقول: «التراث هو كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي, سواءً ماضينا أم ماضي غيرنا, سواء القريب منه أو البعيد»11. من الملاحظ أن الدكتور هنا يشترط الحضور و التأثير و الفاعلية في هذا "التراث", و ليس كل ما وصلنا الماضي يصح أن نطلق عليه تراثا, و هو بهذا التعريف الدقيق يفند بالتأكيد مسلمة الحداثيين التي فحواها أن "التراث" كله قد انتهت صلاحيته, و ليس علينا إلا أن نضعه في المتاحف, لنتفرَّج عليه ثم نرتمي في أحضان الحضارة الغربية؛ أو أن نتحرر منه و نرميه في البحر. بل على العكس من ذلك يجب «استيعاب هذا التراث استيعاباً عقلانياً»12. هذا من جهة, ومن جهة ثانية فإن هذا التعريف «يشمل التراث المعنوي, من فكر و سلوك, و التراث الإنساني (ما هو حاضر فينا من ماضي غيرنا). كما يربط تراث الماضي بالحاضر مباشرة: فليس التراث هو ما ينتمي إلى الماضي البعيد وحسب بل هو أيضا ما ينتمي إلى الماضي القريب. و "الماضي القريب" متصل بالحاضر. و الحاضر مجاله ضيِّق فهو نقطة اتصال الماضي بالمستقبل. وإذن فما فينا أو معنا من حاضرنا, من جهة اتصاله بالماضي, هو تراث أيضا» 13. و من جهة ثالثة, فإن هذا التعريف هو تعريف إجرائي, فهو يعترض من جهة, من التشكيك حول مشروعية الاشتغال "بالتراث", كما «يُجيب كذلك عن اعتراض آخر يحتج على "إهمال" تراث الإنسانية أو التراث الشعبي أو "تــراث" الحاضر الخ...» 14.و يقول الجابري في موضع آخر, محاولاً أن يجيب عن السؤال الذي طرحه عليه الدكتور فهمي جدعان, معرفا «التراث الفكري [بأنه] عبارة عن كائن ينمو و يتراكم و يتناقض و يتصارع في الحياة, و لو أنه ماضٍ. كيف ندرس هذا الكائن الحيّ الميِّت في الوقت نفسه؟ فهو ميت, أي ماضي,بالنسبة لنا, لكنه حيٌّ فينا, هو ماضي تفصلنا عنه أحيانا قطائع إبستيمولوجية و أحيانا مسافات زمنية, لكنه حيّ»15. و لئن هو اعتبر ''التراث'' كائن حيّ ميِّت في نفس الوقت, فإنه بذلك يكون يرفض الموقف الذي ينصرف و ينغمس في "التراث" كلية, كما يرفض أيضا الموقف الذي ينسلُّ من "التراث" و يتهرَّب منه.
          وعلى هذا الأساس, فإن "التراث" عنده «خزَّان للأفكار و الرؤى و التصورات تأخذ منه الأمة ما يفيدها في حاضرها أو ما هو قابل لأن يُعين على الحركة و التقدُّم» 16.

          إن مسألة"التراث" عند أستاذنا, إن هي على هذا المنوال, تصبح الحاجة إلى الاشتغال "بالتراث" تُمليها «الحاجة إلى تحديث كيفية تعاملنا معه خدمة "للحداثة" و تأصيلاً لها»17. و في ما كان عنده الإهتمام "بالتراث" و استلهامه إلا من اجل "حداثة متأصِّلة". وعليه فما عاد هذا "التراث" هو «بقايا ثقافة الماضي, بل على انه "تمام" هذه الثقافــــة و كليتها: إنه العقيدة و الشريعة و اللغة و الأدب, و العقل و الذهنية و الحنين و التطلُّعات. و بعبارة أخرى إنه في آن واحد: المعرفي و الإيديولوجي و أساسهما العقلي و بطانتهما الوجدانية في الثقافة العربية الإسلامية»18.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق