الأحد، 23 مارس، 2014

إهلاك الحرث والنسل وضمار الارض



إهلاك الحرث والنسل
من أشد المحرمات إهلاك الحرث والنسل. قال سبحانه وتعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)(39). وقد ذكر بعض المفسرين في تفسير الآية إنها نزلت في الأخنس بن شريق الذي أقبل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأظهر الإسلام لكنه كان خبيث النفس منحرف الذات منافق العقيدة، فلما خرج من عند النبي مرّ بزرع فأحرقه وحمر فعقرها فذكره الله سبحانه وتعالى ووصفه بأنه من ألدّ المخاصمين للنبي وللإسلام لما قام به من فساد وإهلاك للحرث والنسل، بعدم جواز إهلاك نسل الحيوان مهما كان حيواناً عادياً سواء كان الإهلاك بالأكل أو بالإتلاف، وهذا ما تعمله الحكومات من الحجر على صيد الحيوانات النادرة الوجود، والمفسد من عادته الإفساد في أَية صورة كانت كفساد فرعون أو قارون أو هامان أو الحجاج أو غيرهم كإدعاء كاذب للألوهية أو البغي في الأرض بغير حق أو إتيان الرجال أو اكتناز المال وعدم إعطائه للمحتاجين والفقراء بالقدر الشرعي.. إلى غير ذلك من صور الفساد والإفساد والتي منها ما ذكره سبحانه: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتَّلوا أو يصلَّبوا أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض)(41)، كما ذكر الفقهاء في كتاب الحدود.
وفي الحال الحاضر نجد الانحراف نفسه موجوداً لكن بصورة أعجب وتصحبه مآسٍ وآلام رهيبة أحياناً عديدة مثل اتخاذ الحرب الجماعية التي بسببها يقتل الناس بالأسلحة الميكروبية والجرثومية والقنابل الذرية والقنابل النيتروجينية وما أشبه ذلك.
وقد رأينا في إيران كيف أنّ صداماً قتل الناس الآمنين بصواريخه الفتاكة، فأهلك حتى الأطفال الرضع والنساء والكبار سناً وأحرق المزارع والمصانع وما أشبه ذلك. وقد دكّ مدينة قم المقدسة بالقنابل، فقتل بها رجل الدين والرجل العادي وكبير السن وصغير السن وغيرهم، ولما قيل له إن هؤلاء رجال آمنون وليس في قم ثكنة عسكرية ولا مصنع عسكري ولا أيّ مرفق هام!
أجاب: قم هي بؤرة التخلّف العقلي.
نعم، من الخطوات التي يتبعها الاستعمار لأجل إذلال المسلمين وشق صفوفهم قيامه بحربهم من عدّة جهات: يحارب الإمام الحسين (عليه السلام) وشعائره لأن الإمام الحسين ثورة تتجدد في كل زمان، ويحارب المراجع العظام والحوزات العلمية لأنّ هؤلاء هم الذين يسببون يقظة الناس وهدايتهم إلى العقيدة الصحيحة والأخلاق الصحيحة والعمل الصحيح وهم الذين يحضّون الناس ويحذرونهم من الرضوخ للظلم والظالم، ويحارب الاقتصاد والمال حتى يكون الناس فقراء فيكونون لقمة سائغة في يد المستعمرين، ويحارب الحريات حتى لا يكون هناك نور بل يعيش الناس في ظلام دامس ولا يعرفوا كيف يتصرف عملاء المستعمرين أخذاً وعطاءً ونهباً وإفساداً، ويحارب العلم لأن العلم نور ويسبب علو شأن الناس، والمستعمرون لا يريدون رفعة الناس، فقد رأينا مثل ذلك كثيراً في العراق أيام صدام فإنه قطع نخيل العراق التي هي ثاني ثروة في البلاد بعد النفط وتقدر الأشجار التي قطعها (29 مليوناً) من أصل (32 مليون) فلم يبق إلاّ (3 ملايين). فتراجع العراق من المرتبة الأولى في تصدير التمر إلى المرتبة السادسة، هذا وقد ورد في توحيد المفضَّل خلق الله الإنسان وخلق الأرض لسكناه، كما ورد في القرآن: (ألم نجعل الأرض مهاداً)(42)، (أحياءً وأمواتاً)(43) وجعلها مناسبة وملائمة لحياته بمختلف شعبها وأبعادها فأنبت له الشجر والزرع وأجرى له الأنهار وسخر له الليل والنهار والشمس والقمر وزوده بنعمة العقل وجعل الطبيعة في خدمته وجعل له جميع حوائجه في حال صحته وحال مرضه في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه ومنكحه ومركبه، فقد قال سبحانه: (لم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاً جعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً وبنينا فوقكم سبعًا شداداً وجعلنا سراجاً وهّاجاً أنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً لنخرج به حبّاً ونباتاً وجنات ألفافاً(44)، وقال في آية أخرى: (لقد جعلنا في السماء بروجاً وزيّناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فاتبعه شهاب مبين والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه وما ننزله إلاّ بقدر معلوم وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون)(45)، ومن الواضح إن خزائن الأرض هي التي تولدها الماء والهواء والأرض والنور والحرارة، ولذا كان عند الله سبحانه وتعالى خزائن كل شيء، ولكنه لا ينزله إلاّ بقدر معلوم يناسب البشر زيادة ونقيصة مع سائر الملاحظات المذكورة في هذا الباب فالكون بمجموعه بيئة كبرى خلقها الله سبحانه وتعالى في حالة توازن واتزان، اتزان في الحركة والسكون واتزان في الحرارة والبرودة واتزان في الجاذبية والقوة الطاردة، واتزان في ما فوق الهواء المحيط بالأرض واتزان في المجالات الكهربائية والمجالات المغناطيسية والمجالات الأخرى في الحركة والسكون، ولذا قال سبحانه: (له ما سكن في الليل والنهار)(46)، وقال سبحانه: (م تر إلى ربك كيف مدّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً)(47).
واتزان بين الماء والتراب واتزان حركة الموت والحياة وكل شيء وشيء.
وعلى أيّ حال فقبل ملوثات الصناعة الحديثة كان الهواء والماء وكل شيء نقياً خالياً من التلوث والفساد، لكن امتدت يد الإنسان إلى مياه الأنهار والبحار والبحيرات والمحيطات والمياه الجوفية فراح يلوِّثها بما يلقيه فيها من مخلَّفات. وهناك بعض الأنهار والبحار التي فسدت تماماً ولم تعد صالحة للاستعمال شرباً أو صناعة أو ما أشبه ذلك، ولا يقتصر خطر تلوث المياه على ذلك فحسب بل إنها تمتد لتكون سبباً في إبادة الأسماك والحيوانات والأحياء البحرية بل والطيور وما أشبه ذلك مما تعيش على حيوانات البحر. بل شمل أيضاً فساد الغابات حيث قام الإنسان الصناعي الذي لا يراعي الله واليوم الآخر بتعرية الأرض من غاباتها الكبرى. وقد ذكروا إنّ الحزام الاستوائي الأخضر الذي كان يمتد عبر القارات بمساحة تبلغ ستة عشر مليون كيلو متراً مربعاً تراجعت الآن إلى ثمانية ملايين كيلومتراً مربعاً فقط، وأخذ أيضاً هذا في التناقص مما أدى إلى جرف التربة وتصحرها بحيث أصبحت غير صالحة للزراعة بتاتاً. والغابات الاستوائية التي كانت تعتبر بمثابة رئة العالم تعرَّضت للاستنزاف والتدمير من وجهة النظر البيئية والاقتصادية. وفي بعض التقريرات إن (14% ) من الغابات الاستوائية ستختفي في نهاية هذا القرن نتيجة لزيادة معدل الاستنزاف، أما إذا أضيف إلى ذلك التغيرات المناخية والحرائق التي لا تفتأ تفتك بمساحات واسعة من الغابات فتبيدها عن بكرة أبيها، فيمكن أن تصل النسبة إلى النصف وما معدله تصحر أكثر من (20 مليون) هكتار سنوياً. وكل ذلك سبب لانقراض (25 ألف) نوع من النبات و(1000) نوع من الحيوانات في غضون العشرة الأعوام القادمة أو أقل من ذلك، كما يحدِّثنا بذلك الخبراء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق