الخميس، 20 مارس، 2014

إشكالية تنازع التراث و التجديد في الفكر العربي



إشكالية تنازع التراث و التجديد في الفكر العربي
          يشخص حسن حنفي إشكالية تنازع التراث و التجديد في الفكر العربي في ثلاثة مواقف: فهناك أصحاب «الإكتفاء الذاتي للتراث» و أصحاب «الإكتفاء الذاتي للجديد» و أصحاب «التوفيق بين التراث و التجديد» و قد انتقد الدكتور هذه المواقف الثلاث, ومن خلال هذا الانتقاد تظهر ملامح القطيعة التي يدعو إليها حسن حنفي. ''التراث'' عنده ليس «قضية فخر و اعتزاز بالماضي, بما تركه الآباء و الأجداد لأن الإعتزاز بالماضي إسقاط من الحاضر عليه بمعنى أنه تعويض عن قصور جيلنا بالهروب إلى الماضي, و تخلّ عن معارك العصر, كما أن الإعتزاز بالماضي إنصياع للعواطف القومية المعاصرة التي تقوم على بحث النعرة القومية التي تسربت إلينا من مسار الحضارة الغربية في القرن الماضي. الإعتزاز بالماضي استسلام للنزعة الخطابية السائدة في عصرنا و التي تغطي الواقع بسيل من الخطب الحماسية, و في غياب العقل يسود الإنفعال»(1). هذا هو رد حنفي على أصحاب الموقف الأول, أصحاب «الإكتفاء الذاتي للتراث», الذين يقولون: «لا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها», و للإشارة فقط, فإن هؤلاء لا يعتبرهم حنفي من أصحاب الموقف المحافظ, لأن «الموقف المحافظ يدل على وعي فكري بالقضية »(2) و يكشف هذا الموقف الأول عن الآتي: النفاق, العجز ثم النرجسية. أما أصحاب الموقف الثاني, أصحاب «الإكتفاء الذاتي للجديد» الذين يعتبرون ''التراث القديم'' لا قيمة له و لا يفيدنا في تحقيق التقدم الذي نتوخاه, فهو «جزء من تاريخ التخلف أو أحد مظاهره و أن الارتباط نوع من الاغتراب و نقص في الشجاعة...»(3). إنهم يدعون إلى الأخذ بالجديد باعتباره «علمي عالمي, يمكن زرعه في كل بيئة». يرد عليهم حسن حنفي
بأنه « على حق من حيث المبدأ و على خطأ من حيث الواقع, فتسرع بإعادة البناء
   و القديم ما زال قائمًا بعد, تبني فوق بنيان متهدم قائم دون أن تكمل الهدم لتعيد البناء من جديد, و حياة الشعوب لا تتغير في لحظة, و لربما يستغرق التغير أجيالاً و أجيالاً لو أردنا للتغير أن يكون جذريًا من الأساس و ليس تغيرًا سطحيًا متسرعًا»(4). فالتغيير عند الأستاذ لا يتحقق بتغيير الجماهير أو بتبديل واقع بواقع آخر, بل بتطوير ما هو موجود في المجتمع بالفعل «دون نظر إلى التكاليف أو الوقت أو الجهد, فهذا هو البناء الأبقى». فشرط التصنيع و أساس التقدم عند حسن حنفي تكمن في «إعادة تفسير القديم من أجل تغير النظرة للعالم, فليس بتغير البناء التحتي يتغير البناء الفوقي(5). إن هذا الموقف الثاني يكشف على ما يلي: قصور النظرة العلمية (للتراث), عن التقليد (إسقاط الخصوصية و استعارة تجارب سابقة, الخيانة للواقع والتبعية الفكرية...) ثم الإزدواجية (تدعي الإلحاد أمام المسلمين, و تؤمن بالله بينها و بين نفسها). أما أصحاب «التوفيق بين التراث و التجديد» الذي يدعو إلى «الأخذ من القديم ما يتفق مع العصر, و إرجاع الجديد لمقاييس القديم» و في نظر حسن حنفي فإن هذا الموقف شرعي من الناحية النظرية, لكن هذا الموقف لا يتجاوز النوايا ولا يلجأ إلى التطبيق. هذا «فإذا تم شيء فإما يتم لحساب القديم وبذلك يرجع إلى الموقف الأول [أي موقف الإكتفاء الذاتي للتراث] و إما لحساب الجديد و بذلك يرجع إلى الموقف الثاني [أي موقف الإكتفاء الذاتي للجديد]»(6).
          هكذا يكون التغيير عند حسن حنفي مرتبط و رهين بإعادة إعطاء صورة عامة للتراث كله و إعادة بنائه طبقًا لحاجات العصر, و تطويرها و توسيعها حتى تكون هي روح العصر(7). فيجب إذن القطع مع ''الإنتقائية'' التي نأخذ ما تريد و تترك ما لا تريد. إن«قضية التراث و التجديد هي في الحقيقة قضية ''التنظير المباشر مع الواقع'' ضد خطأين شائعين: الأول الذي يتحدث عن العصر وكأن العصر يحتوي على حلوله في ذاته و أنه يكفي مجرد إجابة متطلباته حتى تحل مشاكله, و يتحرك بعد ركود». إن ما يعنيه حسن حنفي في هذا الموقف هو أنه يُقصي المخزون النفسي للجماهير, و الأمر أنه «لو أخذ الواقع النفسي في الحسبان لتكاملت نظرتهم, و اتفقت تفسيراتهم». أما الخطأ الثاني «هو الذي يبدأ باستنباط  الواقع من نظرية مسبقة سواء كانت موروثة أو منقولة أو عصرية تجمع بين الموروث و المنقول. فالتراث و التجديد  ليس المقصود منه التعامل مع معطيات ثقافية  و الإصلاح بينهما بل المقصود منه إدراك الواقع بنظرية علمية»(8).
          هكذا يكون هذان الموقفان « يدافعان عن فكر لا عن واقع و كلاهما من أنصار التراث و ليس من أنصار التغيير»(9). و الحال أن الأمر عند حسن حنفي ليس هكذا.« فالتراث [عنده] هو نظرة الواقع و التجديد هو إعادة فهم التراث حتى يمكن رؤية الواقع و مكوناته»(10).
          لنرجع مرة أخرى إلى "كتيب" الدكتور محمد الشيخ, كما يحلو له أن يسميه, الموسوم بـ"المغاربة و الحداثة..." وهو في الحقيقة, إن كان صغير الحجم, فهو غزير المعرفة ومن بين أفضل الكتب التي "أغرمت" بها, فسار هو لا يفارقني و أصبح أسلوبه يمتلكني وعتاقة كلماته تسجنني, كما امتلكني أسلوب الراحل الجابري؛ من أجل الوقوف على الكيفية التي جرى التعامل بها مع التراث, مع عبد الله العروي و عبد الكبير الخطيبي وعلي أومليل و طه عبد الرحمان و محمد سبيلا, على أساس أن نخصص الفصل الموالي للجابري.
          لنبدأ أولا بالعروي. اشتهر الأستاذ عبد الله العروي بالداعي إلى القطيعة البتة مع التراث, أو ما سماه إدريس هاني, في أحد مقالاته*, بالقطيعة الكبرى مع التراث.
ذلك أن العروي يدعو إلى القطيعة مع الماضي إذا ما أردنا تحقيق مستقبل عربي
 زاهر و متطور «و قد قامت دعواه, لا على ضرورة إجراء هذه القطيعة "الحيوية" للثقافة العربية المعاصرة و حسب, و إنما على ضرورة "الحسم" في هذه القطيعة حسما. إذ ثبت عنده أنه ''لابد من الاختيار من الفصل و الحسم و الجزم, إذ في الحسم [لعله يقصد الحسم] يكون رفض كل ما هو تقليدي من جميع النواحي''. ثمة إذن أمران أساسيان و متلازمان عنده: "الاختيار" ــ وهو اختيار "النفعية" و "العقلانية " و "الليبرالية"؛ و باختصار اختيار الحداثة ــ و "الحسم"ــ وهو القطع مع الماضي قطعا  بلا مطمح عودة أو ترجية رجعة أو تأميل أوبة. وهو قطع مبني عنده على "حسم تام" بلا تردد أو تلكؤ أو مداورة : '' لابد من الحسم اجتماعيا و سياسيا و فكريا''»(11).
          واضح إذن أن العروي يحاول أن يطبق منهجه "التاريخي" على التراث.لقد عبر العروي عن هذه القطيعة بشكل قوي عندما قال: «مخيف هذا التعلق بالماضي» ملاحظا أن « الأهمية التي تعطى للتقليد, باعتباره قيمة تبدو مقلقة»(12), مبررا أمره هذا باعتبار«الماضي لا يمكنه أن يخدمنا في حل مشاكلنا», لا و لا حتى « في إعادة إعطاء [هذا] الماضي [نفسه] قيمته الحقيقية»(13), لكن هذا لا يعني أن العروي يرفض التراث تماما, فلا نهتم به, و إنما يجب ألا نجعل من التراث أو الماضي أساس تقدمنا و تحديثنا. و يرى الدكتور محمد الشيخ, أن دعوة العروي هاته « دعوة جريئة ما وجدت دعوة أجرأ منها في الغرب و لا لدى العرب»(14). إن القطيعة عند العروي   تأخذ معنى الطفرة التاريخية، بالمعنى الذي تذهب إليه المادية التاريخية، ما يجعل من هذا الأخير، تاريخانيا بامتياز. و من أبرز الدعاة للكف عن الحديث عن خصوصيات المجال العربي والإسلامي، و الدخول في الحداثة بشروطها هي لا بشروطنا نحـن. و ذلك هو ما يميز منظوره للقطيعة، حيث يبدو الأمر هنا يتعلق بما وصفناه بالقطيعة الكبرى. إن الموقف من التراث يتحدد برؤية العروي للحداثة. و لذلك سعى العروي إلى صياغة سؤال الحداثة على نحو يؤدي حتما إلى طرد مقابله؛ أي سؤال التراث، من دائرة المطلوب إنجازه. فالعروي لا يقدم رؤية جديدة للحداثة و لا ينخرط في لعبة نقدها، على الرغم من تمسكه بأهداب الفكر التاريخي الآيل حتما إلى معانقة الطرح الكوني. بل إنه يؤشر إلى وجود هذا النموذج ماثلا أمام أعيننا. إنها الحداثة كما هي في الغرب؛ يجب أن تحضر كما هي في الغرب في المجال العربي. وأن مهمة العرب و المسلمين اليوم ، كامنة في أن يبدلوا جهدا كبيرا في استيعاب دروس الحداثة و في الوقت نفسه، أن يكفوا عن أن يتحدثوا عن خصوصيتهم كعرب أو كمسلمين. ليكفوا ـ إذن ـ عن الحديث حول كونهم عربا أو مسلمين؛ فللحداثة صورة واحدة، وواحدة فقط. لأن ليس للتاريخ إلا اتجاها واحدا و ليس للثقافة إلا جنس واحد. فإما نكون أو لا نكون. لقد حدد العروي بذلك مسارا محددا و نموذجا محددا؛ فالمشكلة إذن، هي في العربي و الإسلامي الذي يقع خارج دائرة الوعي التاريخي. فالتعلق بالتراث "نكاية في الغرب الامبريالي"، هو موقف بهذا المعنى، لا جدوى منه، إذ «يعني في الظروف القائمة تعاميا عن الواقع و تنكرا للمستقبل الذي سيطرح فعلا مسألة الخصوصية، لكــن في إطـار جديـد و بوسائل ذهنية و مادية جديدة»(15).
          أما عند عبد الكريم الخطيبي, فيفعل فكره المعتمد على فكر التغاير و الإعتراف المتبادل و القائم على النقد المزدوج . فإنه يجعل العودة إلى التراث, ليس من أجل التراث و لكن من أجل "المغايرة" و "المخالفة" و "المباينة" إلى الشيء نفسه المباين لنفسه(16). فالتراث من شأنه أنه بدَّال و سيَّال يتغير ولا يبقى جامدا, و الحال أننا نحن أيضا بذّالين سيّالين معه, فلا و جود لكائن تراثي بالتمام و الكمال. و الشأن أنه لا وجود, و لن يوجد, لوجدناه كائنا منفصما ممزقا(17). هذا وتجدر الإشارة  إلى أن عبد الكريم الخطيبي يحبذ التصوف الإسلامي و يفضله لأنه « يفيد –يقول الخطيبي- التصوف عندي تقليدًا حسنًا, لماذا؟ لأنه يوجه حياة الفرد الداخلية نحو تعبير, فكري و حسي معا, عن الأمر الخارجي المطلق [الله] (...) (ثم) إن التصوف تقنية تأمل». و فضلا عن هذا و ذاك : « إن من شأن التصوف أنه  يتجذر من صميم الكائن الإنساني, فلماذا أحرم نفسي من هذا الميراث الثمين؟»(18). و إذا كنا سنستعيد من التراث شيئا فإنه يتعين استعادة "منسي" التراث و "مهمله" و "متلاشيه" والمكبوت منها الفكر الصوفي.
          و على العموم, فإن الخطيبي يدعو إلى البحث في الهامش. فحداثة العرب منفتحة على المستقبل و ليست متضمنة في ماضينا أو ماضي الغرب. هذا, وتجدر الإشارة إلى أن « فهم الحداثة انبنى عند الخطيبي على فهم هايدجيري للزمن: الحداثة هي المستقبل لا الماضي»(19), و بمثل ما هو انتقد التراث, انتقد أيضا الحداثة, و الحال أن القضية عنده ما كانت قضية تعارض بين التراث و الحداثة, و إنما هو أصلا حاول أن يخرج من هذه المقابلة. فأساس الحداثة عنده, و بالتالي سماتها : تكمن في حضور "المجتمع المدني" و "حقوق الإنسان", و الاهتمام "بالعمل الجمعوي و الحياة المشتركة", و الدراية بأبجديات التقنية, و يسمي الخطيبي الحداثة الغربية التي يتوخاه  العرب بـ "التقليد الجديد" على عكس "التقليد القديم" الذي عنى به الخطيبي أولائك المتمسكون بالتراث. و لكي نختم الكلام عن الخطيبي نقول ما قاله عن الحداثة الحقة , فهي عنده « "الحداثة الحقة" هي تلك التي تحتمل في عداد "المستقبل" لا تستكن في "حساب الماضي"» و يقول أيضا « يمكن القول, بمعنى من المعاني, ان النزعة الحداثية و النزعة الإسلامية يعضدان بعضهما البعض و يستوحيان بعضهما البعض و يغذيان : الواحد منها يعد الآخر شره, و أخاه  العدو في الآن ذاته»(20).


          أما علي أومليل فهو يقول بصريح العبارة بأنه لا حداثة,  كفلسفة و أعراف, إذا استكنا إلى الماضي و إلى التقليد, فلا, و لم يعرف تراثنا أية حداثة و أية ديمقراطية  كمبادئ و قوانين و قيم. فما كان التراث « قد "تضمن" الحداثة" أو "وشى" بها أو "مهد" لها»(21). إن الحداثة التي يدعو إليها أومليل لا تستلهم التراث و لا ترجع إليه من أجله "تحيينه" أو "توظيفه" أو "تحديثه". لأنه ينظر إلى التراث دوما بالسلب, حيث أن «التراث بنيته الفكرية المخصوصة, و بالمثل للحداثة بنيتها المفردة المميزة, و لامساغ للمقايسة بينها و المقابسة. فإذن لزم احترام "منطق العصر في التفكير". فمنطق الحداثة غير منطق القدامة,  و  بنية الحداثة من غير جنس بنية التقليد. ولعل المناسبة الوحيدة التي تحدث فيها علي أومليل عن إمكان الحداثة في ماضي العرب كانت هي تجربة المورسكيين. إلا أنه سرعان ما أضاف أنها كانت حداثة مجهضة»(22). وهذا لا يعني أن علي أومليل يرفض بتاتا بأن الثقافة العربية سبق لها أن عرفت قيم التسامح و حرية الرأي و التعبير و شكل من أشكال الديمقراطية  و تقاليد الحوار, إلا أنها  ما كانت تحمله قيم الديمقراطية بمعناها المحدد الآن, « فليس وراءنا سند من تراث نتعزز به و تستقوي فيما نحن نرومه من التأسيس لشرعية الاختلاف, و إيجاد سلطة للمثقف معنوية, و بناء مجتمع ديمقراطي...»(23).
          لكن لماذا هذا الاهتمام بالتراث و قد ثبت أن لا يجدي في أمر الحداثة فتيا؟, يتساءل محمد الشيخ, يجيب على نفسه « ما كان الاهتمام بالتراث عند أومليل بغاية إثبات "الإمكان"؛  أي إمكان توظيفه في عملية التحديث, و إنما بالضد من ذلك كان الاهتمام حادثا بغية إثبات "الحد"؛ أي حدود التراث. والحال أن ما كان يستحض أومليل على الاهتمام بالتراث هو سيادة ما يسميه "قراءة التراث بعقل تراثي"...»(24)
و يقول في موضع آخر « و الحال أن أومليل لا يريد تقديس التراث, و لا بالضد تدنيسه, و إنما كل غايته أنه يريد فحصه و تمحيصه. و تمحيصه يقتضي إجراء أمرين اثنين: أولا؛ عدم الوقوع في خطأ الحديث عن التراث و كأنه "كل منسجم". إنما التراث "خليط", وهو مستويات لا مستوى واحد (...). ثانيا؛ الاهتمام بما يسميه أومليل "تاريخية الأفكار"؛ و ذلك بمعنى أن للأفكار التي احتوى عليها التراث زمنها الخاص, فلا مجال لإسقاطها على الحاضر, و لا مساغ للإعراض عن "تاريخية منطق الأفكار"»(25).
          أما الدكتور طه عبد الرحمن فالحداثة عنده تشترط أمرين: التطبيق الداخلي لا الاستيراد, و التجديد لا الإتباع. و الحداثة عنده أيضا روح إبداع, و لهذه الروح تطبيقات لا تطبيق واحد, و بذلك فإن لكل أمة حداثتها, فهي إذن نسبية لا مطلقة, وهي قائمة على الإبداع لا الإتباع(26). فللحداثة إذن روحها وواقع تطبيقها ولذلك فهي تتحقق داخليا لا خارجيا.
          إن حداثة طه عبد الرحمن حداثة أخلاقية, فلا حداثة من غير تخلق. و إذا أراد المسلمون إثبات وجودهم و فرض نفوسهم, فما عليهم إلا العمل و الأخذ بالأخلاق, أخلاق الإسلام(27). و يواجه طه عبد الرحمن تحديات الحداثة بلفظ واحد: "الأخلاق". فلا حل عنده لمشاكلنا و لمشاكل الحداثة إلا بكلمة واحدة: "التخليق". فالحداثة عند طه إذن مبنية على "الإيتوس و ليس على "اللوغوس", كما هو حال الحداثة الغربية, التي انتقدها طه عبد الرحمن. و قد أصًّل طه للحداثة التي يدعو إليها بأصول منها: أولا: أن الإنسان كائن أخلاقي, و أن الأخلاق هي ما يميزه عن الحيوان و ليس العقل, كما هو شائع.  و فضلا عن هذا و ذاك, فإن « الفعل العقلي نفسه خلق به يرتقي هذا الكائن إلى رتبة الإنسان متى كان نافعا و ينزل به على رتبة البهيمة متى صار ضارًا»(28). فقد ثبت عند الدكتور إذن أن « لا شيء أخص بالإنسان من الأخلاق», و أن « الإنسان ما خلق إلا ليتخلق»(29). و رغم هذا فإن طه عبد الرحمن لا يدعو إلى التخلي عن "العقلانية" بقدر ما يدعو إلى تخليقها. و العقلانية عنده نوعان: "العقلانية المجردة من الأخلاق", و هذه يشترك فيها الإنسان مع البهيمة, و هناك "العقلانية المسددة بالأخلاق", وهي التي يخص بها الإنسان من دون سواه(30). ثانيا: أن هوية الإنسان تتحدد بالدين, و لا أخلاق بلا دين, و لذلك لا يجوز الفصل بين الخلق عن الدين, فليس الحداثي إذن هو ابن عصره, إنما الحداثي من يتزود "بالأخلاق العليا", بل إن « الإنسان الذي لا يتزود بأعلى القيم لا يكون فاعلا في عصره بقدر ما يكون منفعلا به»(31).
          يتعامل طه مع التراث ليس كما يتعامل معه التراثيين. ذلك أن تعامله مع التراث يعتبر بمقتضى الحاضر و مقتضى الماضي أيضا. و لذلك « فلا أحد يستطيع أن يقطع صلته بحاضره قطعا, و أن يعود إلى الماضي ليعيش بقيمه مثلما عاش بها أجداده؛ فمن يدعي ذلك فهو إما مفتر أو غافل, لأنه ليس في وسعه أبدا أن ينزع من جوانحه  و جوارحه كل تأثيرات الحاضر المختلفة, حتى ولو دخل في قمقم و أغلق فتحة عنقه دونه, أليس يحتاج إلى صنع هذا القمقم بوسائل و خبرة زمانه!»(32), يقول طه عبد الرحمان.
          لقد تحقق إذن أن الدكتور طه يدعوا إلى التأصيل و يرفض التقليد. و قد أصَّل موقفه من التراث  في أصلين:
       أولهما: أن الماضي على ضربين : "ماضي الوقائع" و "ماضي القيم". فأما ماضي الوقائع فهي أحداث مضت و ولى زمانها و من المستحيل أن تعود و ترجع و بالتالي لا داعي لإحيائها, بل إنه من المستحيل فعل ذلك. أما ماضي القيم فيمكن إحيائها, فليست كلها تتبدل و تتغير(33), بل إن من قيم الماضي ما هو أفضل و أزكى من قيم الحاضر الآن.يقول طه : « التحقق بالاجتهاد في الماضي من القيم أولى من التمسك بالتقليد في ما استجد من القيم».
       ثانيهما: يقول الدكتور « أن التراث –بالإضافة إلى ما يشتمل عليه من قيم إنسانية حية- قد يتضمن قيما إنسانية ميتة؛ أي قيما إنسانية لم يعد المجتمع الإنساني العام يرغب فيها أو يعمل بها»(34)
          « بناء على هتين المقدمتين, يقول محمد الشيخ, فإنه بقدر ما هو رفض طه عبد الرحمن دعوى "مقلد الحداثة" فقد رفض دعوة "التراثية" أيضا؛ أي رفض "الاشتغال التراثي بالتراث"»(35), و لذلك « فلا تعد كل أداة منقولة من الغرب مذموم, و لا يعد الجمود على الآلية المأصولة في التراث مقبولة كل القبول ما لم تظهر إجرائيتها»(36)
          و بالجملة فإن موقف طه عبد الرحمن من إشكالية التراث و الحداثة, ما كان موقفه انتصار للتراث و لا هو انتصار للعلم الحديث؛ و إنما الأمر عنده هو الأخذ منهما بالقدر الذي يجعل الواحد منهما فاعلا في الآخر, بحيث ينفعه و ينتفع به. و هذا ما سماه الدكتور بـ "التراث الجديد", و ى سبيل لتحقيق  ذلك إلا الاجتهاد دون التمكن من العلم الحديث.
         أما محمد سبيلا, فعند حديثه عن العلاقة بين التراث والحداثة, فهو غالبا لا يقدم موقفه من هذه الإشكالية, بل يقوم بعرض و تقديم و تحليل طرفي هذا الإشكال, بعدها يترك الحكم للتاريخ؛ وقد يصدر حكما  انطلاقا من النتائج التي توصل إليها. و على هذا الأساس, وجد أن الحداثة في الدول العربية الإسلامية تعتبر "برانية" لا "جوَّانية " و "عنيفة" لا "مسالمة" و "حتمية" لا "إرادية" و أخيرا هي "هجينة" لا "أصيلة", تلك هي السمات الأربع لحداثة العرب(37). و كنتيجة لذلك وقع ما أسماه سبلا بـ "صدمة الحداثة" , تلك الصدمة التي أحدثت في النفس العربية "مزقة" بين الوعي و اللاوعي (...) و ذلك تحت تأثيرهم و انصهارهم في التقليد و التراث و الدين من جهة, و نتيجة اندماجهم في الحداثة في بعض مستوياتها التقنية و الفكرية من جهة أخرى... و بهذا ضار وضع العرب مذبذبا لا إلى ذاك و لا هذه, وضع من يقلد و يلعن, و يعتقد و ينتقد, و يعترض و يقتبس... و تلك هي "تراجيديتنا الكبرى". مأساتنا نحن كعرب و مسلمين إذن هي هذا المزيج المتوتر بين الأمر التقليدي و الشأن الحداثي(38). و باختصار, فهو تمزق بين قصور التقليد و جاذبية الحداثة؛ ذلك التمزق الذي أحدث جراحات و خدوش  و أزمة ذاتية فكرية و ندوبا و شروخا, أو م أسماه محمد سبيلا بـ  " التراجيديا و التمزق و التوتر و الكآبة"(39).
          انطلاقا من هذا الوضع, ظهر في الفكر العربي مناصرين" للحداثة" و مناصرين "للتقليد"أو "التراث", و بالتالي تم الفصل بين "التراث و الحداثة", و بعضهم حاول أن يجد أنحاء من الوصل بينهما. أم الدكتور محمد سبيلا, فيرى أنه صحيح  هذا الفصل حاصل في المجتمعات التي نشأت فيها الحداثة. أما المجتمعات العربية فقد حصل ضرب من التلاقح بين "التقليد و الحداثة", مما أحدث م أسماه سبيلا "مكر الحداثة" و "مكر التقليد" ثم "مكر التاريخ", حيث أن « التقليد يريد أن "يمكر" بالحداثة, و تريد الحداثة أن "تمكر" بالتقليد, و التاريخ أمكر الماكرين. فهو يمكرهما معًا. إنما شأن التحديث ألا ينتصر دفعة واحدة, بل إنه لا يتأتى له ذلك النصر المأمول إلا عبر صراعات مريرة و طويلة. و كذلك هو أمر التقليد, إذ ما كان من شأنه أن يسلم مفاتيحه دفعة واحدة, بل لا يفعل هو ذلك إلا بعد إبداء مقاومات و تلونات»(40). و على هذا الأساس, تكون الكلمة مرة للتقليد و مرة أخرى للحداثة ومرة للتاريخ, و يتحقق بعد  ذلك أن يظهر التقليد بلباس الحداثة, والحداثة بلباس التقليد, « و لكن مبدئيا, للتاريخ – يقول سبيلا- اتجاه و محددات و حتميات و أقدار إلى حد ما. فإذا كان التقليد راسخا و قويا و ضاربا بجذوره في أعماق التاريخ و النفوس و المتخيل, فإن الحداثة أيضا لها مظاهر قوتها و آلياتها الاستدماجية و التكييفية و قدراتها الإغرائية»(41).  
          إن هذا الصراع الظاهر بين "التقليد و الحداثة", عبر عنه سبيلا بـ "الصراع الإستعاري". فقد تحقق أن « كل منهما "يستعير" الآخر و يحاول "احتواءه" و "ترويضه" و "تسخيره" بتوسل أنماط من "الاختلاط" و "التمازج" لا تكاد تنتهي تنوعا و تفننا و مكرا و حيلة»(42), و لذلك, فإن سبيلا يرفض بشكل مطلق "المنطق الواحدي"(43), ويقول أيضا في ما يجري مجرى هذا الاعتبار« كل من يعتقد بأن العلاقة بين التراث و المعاصرة أو الحداثة هي علاقة تصالح و تلاؤم فهو واهم, لأن العلاقة في عمقها هي علاقة الصراع, يحاول التراث احتواء الحداثة (...) في حين أن الحداثة تحاول أن تمتطي التراث, تحاول أن تتسرب عبر التراث ذاته, تريد أن تتسلل عبر التراث لتفرض نفسها, و لتكسب مشروعية ما»(44).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق