الخميس، 20 مارس، 2014

مسألة القطيعة بين التراث و الحداثة



لا يزال الخطاب العربي المعاصر أسيرا لمفهوم القطيعة المعرفية، فعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على مشاريع النهضة والتجديد في العالم العربي، إلا أنّ مسائل العقل والتراث والحداثة لا تزال تحتل موقعا مركزيا في انشغالات النخب الفكرية على اختلاف توجهاتها ومذهبياتها، وذلك بسبب شيوع وانتشار قناعة راسخة قوامها الاعتقاد أن لا سبيل إلى الانفكاك عن حقيقة التراث التاريخية ونفوذه في الحاضر وتحكمه في المستقبل إلا بالدخول في أفق الحداثة، وذلك بإحداث قطيعة معرفية تتوسل بعقل الحداثة ذاته.
          تجمع الدراسات التي قوّمت التراث، على وجود عقل مخصوص يحكم الإنتاج المعرفي التراثي لا بد من القطع معه، ومن هنا فقد هيمن خطاب القطيعة على جملة المسائل التي أصبحت تتردد فيما يعرف بالخطاب العربي المعاصر.
         لقد برزت في خضم المعارك المستعرة والمواجهات الملتهبة، جهود أرادت أن تكسر طوق التكرار، وتحد من صلاحية القياس على "أنموذج السلف"، ساعية قدماً نحو إعادة قراءة الماضي من منظور مغاير، ومحاولة الابتعاد عن الإيديولوجي في اتجاه المعرفي. لقد عمل أغلب المهتمين بالتراث العربي و الإسلامي في سبيل الكشف عن جذور التراث العربي الإسلامي في طبقاته المتراكمة وعن آلية اشتغال العقل الذي أنتجه.
          اختلفت رؤى المشتغلين بالتراث تبعا لمناهجهم في النظر، فمنهم من سلك مسلك الاشتغال بمضامين التراث لا وسائله، ومنهم من توسل بآليات وأدوات بحث اصطنعها المحدثون، فتراه يستعمل التقنية دون أن يملك ناصيتها ولا يقدر على التفنن في استعمالها، ولهذا كانت أحكامهم ونتائجهم التي توصلوا إليها مجانبة للصواب، فقالوا بتفاضل التراث وتجزئه.
          وفي المقابل من ذلك، نجد فئة اشتغلت على مضامين التراث، واعتمدت مناهج وأدوات مؤصلة لا منقولة، مع الاستفادة مما أنتجه العلم الحديث من مناهج ونظريات، دون أن يعني ذلك الاستلاب أو الأخذ بها دون نقد وتمحيص، وهذا ما جعل هذه الفئة قادرة على التحكم في استخلاص النتائج التي تخدم التراث وتعلي من شأنه.(1)
           يعتبر مفهوم القطيعة، المفتاح الأساسي لفهم طبيعة النزاع الإيديولوجي الذي شهده الفكر العربي المعاصر إزاء مطلب الحداثة و الموقف من التراث. فلا وجود لقراءة جديدة حول التراث لم تقترب أكثر أو أقل من هذا المفهوم أو تستوظفه في سياق نقدها. و سواء أكانت المشاريع المهتمة بالتراث تنتمي للمقاربة الإيديولوجية أو المقاربة المعرفية الخالصة، فإن مفهوم القطيعة يحضر بشكل لافت للنظر. و إذن، فهو نفسه مفهوم قابل للتوظيف الإيديولوجي بقدر قابليته للتوظيف المعرفي. على هذا الأساس يمكننا القول، بأن مفهوم القطيعة و إن كان منشؤه علمي بحث و ربما جاء ليقطع الطريق على الاختراق الإيديولوجي نفسه للمعرفة، إلا أنه يعتبر أفضل هدية قدمها النقد المعرفي إلى المقاربة الإيديولوجية. ومع أن هذا المفهوم المتداول بكثافة في النقد المعرفي والإيديولوجي العربي المعاصر، هو العنصر الجامع لمختلف الخطابات و المشاريع النقدية العربية و الإسلامية المعاصرة، إلا أن هناك جانبا كبيرا من الاختلاف لا يستهان به في طبيعة و حيثيات القطيعة المنشودة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق