الاثنين، 24 مارس، 2014

العقلانية التطبيقية او حوار العقل والتجربة


العقلانية التطبيقية او حوار العقل والتجربة  باشلار
يتبن لنا من خلال المناقشة السابقة أن التصورات التي ناقشت النظريات والمنهاج التجريبي العلمي هو انعكاس وتطوير للنقاش الفلسفي الكلاسيكي بين المذهب التجريبي الذي كان يرى أن العقل صفحة بيضاء تملؤها معطيات التجربة مما يجعل من التجربة المصدر الوحيد للمعرفة وبين المذهب العقلاني الذي كان يرى أن العقل حائز على مبادئ فطرية أو قبلية تمكنه من بلوغ جميع المعرف دونما حاجة إلى التجربة هذين المذهبين الذين انتقدهما كانط مبينا قصورهما في انفصالهما وتطرفهما ، ومبينا ضرورة الجمع بينهما، فالعقل وحده بمبادئه القبلية سيدور في فراغ ولن ينتج معارف يقينية بل قد ينتج نقائض أما التجربة وحدها فلن تقدم إلا معطيات مبعثرة لا ناظم ولا معنى لها من هنا ضرورة الجمع بين العقل والتجربة ( مع إعطاء الصدارة للعقل كما تبين لنا من خلال المناقشة السابقة).
هذا الصراع الذي انتقل من مجال الفلسفة إلى العلم هو ما يحاول باشلار حله من خلال تصوره للعقلانية التطبيقية( أو العقلانية العلمية ،أو الفلسفة المفتوحة.)
يرى باشلار أن الحركة المزدوجة  التي تغدي الفكر العلمي تتراوح بين ما هو قبلي (عقلاني) و ماهو بعدي(التجريبي). حيث ترتبط النزعة التجريبية بالنزعة العقلانية وتعزز كل منهما الأخرى وتبررها "النزعة التجريبية في حاجة إلى أن تتعقل ،والنزعة العقلانية في حاجة إلى أن تطبق.فبدون قوانين واضحة واستنتاجيه ، مترابطة ومنسجمة ، لا يمكن أن تكون النزعة التجريبية موضوعا للتفكير ولا مادة للتعليم ، وبدون براهين ملموسة ، وبدون التطبيق على الواقع المباشر لايمكن للنزعة العقلانية أن تتوفر على قوة للإقناع التام ، فالقانون التجريبي لا تتأكد قيمته إلا من خلال الاستدلال ، والاستدلال نفسه لاتتاكد مشروعيته إلا عندما يصبح أساسا للتجربة."
فالعلم إذن يقوم على الحوار بين البراهين النظرية (العقل) وبين التجريب والقوانين التجريبية(التجريب) ولا يجب النظر إليهما على أساس أنهما يكونان ثنائية أو قطبين منفصلين بل على أساس كونهما يتكاملان  أي يكمل منها الآخر ويسير به إلى منتهاه .
فان يفكر الإنسان تفكيرا علميا معناه أن يضع نفسه في الحقل الابستمولوجي الذي يقوم كوسيط بين النظرية والتطبيق بين الرياضيات والتجربة .
من هنا يستخلص باشلار أن العلوم الفيزيائية لا يمكن أن تتأسس كعلم إلا من خلال الحوار الجدلي بين العقل والتجربة فالواقع لابد أن يخضع للعقل ،والحجج العقلية لابد ا أن تكون من صميم لحظات التجربة." لا توجد عقلانية فارغة كما لا توجد اختبارية عمياء"وهذا يعني أن العقل العارف مشروط بموضوع معرفته.
(إلا أن باشلار يرى ضرورة تفضيل احد هذين القطبين على الآخر لأن الحركة الابستمولوجية للعلم هي ذات طابع عقلاني من هنا الاسم الذي أطلقه عليها عقلانية تطبيقية أو مطبقة ، فالعلم المعاصر  هو بناء عقلاني، يبعد من الأدوات التي يشيد بها صرحه كل صبغة لاعقلانية ويجنب الظاهرة المشيدة كل انحراف لا عقلي ،إلا أن هذه العقلانية ترى ضرورة التطبيق لأنها تعمل من خلال التطبيق على تجاوز مبادئها تجاوزا دياليكتيكيا وهذا ما يجعلها فلسفة مفتوحة ).
نستخلص من هذا التصور أن العقل والتجربة (القبلي والبعدي) متكاملان ويوجدان في حوار دائم(في علاقة جدلية) فالعقل يدرك التجارب من خلال ما لديه من مقولات وهذه المقولات ليست ثابتة ونهائية لأنها تتأثر وتتطور بفعل التجربة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق