الأربعاء، 5 مارس، 2014

العلم يبحث عن الاكتمال وجود تعارض بين الحالة التي يؤسس عليها العلم والحالة التي يعيشها الإنسان برأيه في الأشياء ,




النص لـ غاستون باشلار Gaston Bachelard :
النص : إن العلم سواء في بحثه عن الاكتمال أو من حيث المبدأ يعارض الرأي معارضة تامة , وإذا اتفق له في مسألة ما أن قبل الرأي وصدقة , فإن ذلك لأسباب أخرى غير تلك التي يقوم عليها الرأي , بحيث يأتي الرأي دائما من حيث المبدأ على خطأ . إن الرأي يسيء التفكير , إذ هو لا يفكر و إنما يترجم الحاجات والميول إلى معارف , وما دام يشير إلى الأشياء بمنافعها , فهو يحجب نفسه بذلك عن معرفتها , لا يمكن تأسيس أي شيء على الرأي , وإنما يجب البدأ بتحطيمه , إنه يشكل العائق الأول الذي يجب تجاوزه .
لا يكفي أن يعمد الإنسان إلى تصحيح الرأي في بعض النقاط الخاصة مثلا وأن يحتفظ هكذا بمعرفة عامية على غرار ضرب من الأخلاق المؤقتة .
إن الروح العلمية تمنعنا من تكوين أي رأي في مسائل لا نفقهها ولا نعرف كيف نصوغها صياغة واضحة .
قبل كل شيء , يجب أن نعرف كيف نطرح المشاكل , ومهما يكن فإن المشاكل في ميدان العلم لا تطرح نفسها تلقائيا , وهذا الحس الإشكالي بالضبط هو العلامة على الروح العلمية الحقيقية .
كل معرفة في نظر الروح العلمية تعد إجابة على سؤال , وإذا لم يكن هناك سؤال فلا مجال للحديث عن معرفة علمية , ليس هناك ما يتم تلقائيا , ليس هناك ما هو معطى , ولا يوجد إلا ما هو مبني .
المطلوب : أكتب مقالة فلسفية تعالج فيها مضمون النص .
إن العلم في ملاحقته لموضوعه الخارجي وفي محاولته تفسير ما هو موجود يسعى دائما إلى التخلص من الأهواء الذاتية والرغبات الشخصية , ويسمو فوق المعرفة الحسية المباشرة لأن الواقع العلمي ليس هو الواقع العفوي الذي جرت ملاحظته بصفة عابرة , فالأحكام التي نستمدها من ثقافتنا الشعبية والتي نعتمد عليها في تفسير ما يصادفنا من ظواهر هي مجرد أراء ساذجة وهي ليست من العلم في شيء , وأكثر من ذلك أن هذه الآراء كثيرا ما تعيق العلم وتصده عن غاياته وهذا دفع ببعض الفلاسفة والعلماء في إطار الدراسات النقدية الحديثة في المجال العلمي أو ما يعرف بفلسفة العلوم , ومن هؤلاء صاحب النص غاستون باشلار إلى إحداث ثورة على الأفكار السابقة لأنها سببا في إعاقة العلم على التطور , وعليه فما مدى التعارض القائم بين العلم والرأي ؟ بمعنى آخر , هل يمكن لمعارفنا الساذجة أن تتطور وتصبح علوما ؟
غاستون باشلار فيلسوف فرنسي عاش ما بين 1884-1962 اهتم بتاريخ العلوم وبفلسفتها , مؤلفاته تدور حول موضوعين أساسيين أهمهما " نظرية المعرفة العلمية Epistemologie " ثم ربط النزعة النزعة الشعرية بالتحليل النفسي , والعلاقة بين الموضوعين أن النظريات العلمية تدمير للنظرات الشعرية , كما يدعو باشلار من خلال فلسفته إلى ديالكتيك سلبي Dialectique du Non و السلب أو الرفض عند باشلار يعني حركة تدمير وإعادة بناء للمعرفة . من أهم آثاره " تكوين الروح العلمية " و " فلسفة الرفض " وله كتب أخرى عن الشعر .
تتلخص آراؤه الفلسفية في أن العلم لا يتقدم بالبناء على أساس المعارف وإنما يتقدم بناءا على اكتشاف الأخطاء في تلك المعارف السابقة , وإن فائدة تاريخ العلم هي أن نبين كيف أن ما نعده اليوم نظرية علمية صحيحة قد مر بالعديد من النظريات الذي ثبت خطؤها في مرحلة تالية . أما فيما يخص موقفه من المشكلة المطروحة في النص و المتمثلة في العلاقة بين العلم و الرأي , فهو يرى أن العلم يعارض الرأي معارضة تامة , وإن حدث وأن جاء العلم مطابقا للرأي فلا يعني أن العلم يقبل الرأي أو يصدقه فهما متعارضان في المبدأ و في الغايات , فالرأي ذاتي والعلم موضوعي وبالتالي لا يمكن بناء ما هو موضوعي على ما هو ذاتي بل يجب على العلم أن يقطع صلته بالرأي من أجل بلوغ الحقيقة وهو ما يعرف عند باشلار " القطيعة الابستمولوجية " .
وقد اعتمد غاستون باشلار على كثير من الأدلة العقلية والمنطقية التي تثبت أن العلم في جوهره يختلف عن الرأي والمقارنة بينهما جديرة بأن تظهر ذلك . فالرأي من حيث المبدأ يكون على خطأ دائما لأنه يفكر و إنما يترجم حاجاته وميولاته إلى معارف , وما دام الرأي على هذا النحو لا يجوز بناء أي شيء عليه بل يجب تحطيمه قبل بداية البحث فهو العائق الأول يضاف إلى العوائق الأخرى التي تصادف الباحث " العوائق الابستمولوجية " إذ ليس من العلم أن نصحح بعض آرائنا المسبقة ونبقي على البعض الآخر أو أن نكون آراء حول مسائل لم نبحث فيها .
وبالتالي فمن خصائص الرأي أو المعرفة الساذجة أنها نفعية وذاتية وخاطئة وهذا لا يؤهلها لأن تكون علما , بل أن المعرفة العلمية تقتضي قطع كل صلة بها حتى تكون موضوعية وحقيقية . هذا بالإضافة إلى أن الواقع العلمي في نظر باشلار هو واقع مبني , والبناء العلمي للظاهرة يتطلب سلسلة من الحيل والإجراءات التي يقوم بها الباحث يذكر منها القدرة على طرح المشكل العلمي , وهذه القدرة لا تتوفر إلا إذا كان العالم يتمتع بحس إشكالي - وهو الشعور بعدم القدرة على تفسير الظاهرة المشكل بالاعتماد على المعارف المتوفرة – لأن قيمة البحث العلمي تتحدد تبعا لقيمة السؤال الذي يبعثه فمنه تبدأ عملية البناء , فالعلم يجعل من العالم المدرك حسيا عالما مبنيا ينطلق من طرح السؤال مرورا بالتقنيات الإجرائية المختلفة إلى الممارسة اليدوية التي يباشرها المجرب إلى الاكتشاف , وبقدر ما يتم بناء الحادثة العلمية بقدر ما يبعدها عن صورتها الخام , وعلى هذا الأساس فإن المعرفة العلمية تتميز بكونها معرفة موضوعية ونظرية تهدف إلى الحقيقة انطلاقا من طرح المشكلات فتصبح الظاهرة العلمية وكأنها صنعت من طرف العالم . وهكذا يكون غاستون باشلار قد بين التعارض القائم بين المعرفتين العلمية و العامية بالاعتماد على بيان خصائص كل منهما والمقارنة بينهما .
إن البرهنة التي اعتمدها غاستون باشلار صحيحة من الناحية العقلية , ولكن إذا رجعنا إلى الواقع , فإننا نجد كثيرا من العلوم اعتمدت في تطورها على معارف سابقة من أراء غير علمية وأحكام ذاتية وتاريخ العلم يثبت أن كل علم مسبوق بمحاولات ولو فاشلة مما يجعل الرأي صالحا لأن يكون منطلقا في بناء صرح العلم , وقد قامت نظرية أوغست كونت Auguste Comte في تطور الفكر والعلم على تتابع الأحوال الثلاث ( اللاهوتية , الميتافيزيقية , الوضعية ).
إن المعرفة العلمية معرفة موضوعية يتجرد فيها الباحث عن ذاتيته بآرائها وأهوائها وغاياتها , ويسمو فوق المعرفة الحسية المباشرة ويبني الظاهرة العلمية بناءا يجعلها مميزة عما هي عليه في شكلها الخام , مما يؤكد وجود تعارض بين الحالة التي يؤسس عليها العلم والحالة التي يعيشها الإنسان برأيه في الأشياء , ولكن هذا لا يمنع العلم من أن يتخذ من الرأي أرضية في بناء صرحه العالي والمتين أحيانا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق