الجمعة، 28 مارس، 2014

محرك الديزل ومستقبل توليد الطاقة الكهربائية



محرك الديزل ومستقبل توليد الطاقة الكهربائية
أ. د. مظفر شعبان
كلية الهندسة الكهربائية والالكترونية
جامعة حلب - سوريا
محرك الديزل هو محرك احتراق داخلي اخترعه المهندس الالماني رودلف ديزل عام 1892 وذلك بعد خمسة اعوام من اعمال البحث والتطوير. لقد كان محرك الديزل منذ نشأته الاولى، وعلى امتداد القرن العشرين بأسره، حلا جذابا للكثير من التطبيقات الصناعية المدنية والعسكرية، حيث رأى فيه رجال الاعمال ضالتهم المنشودة في الحصول على مصدر للطاقة عملي، وموثوق، ورخيص الكلفة. والان وفي ضوء المتغيرات الكثيرة التي لحقت بقطاع الطاقة على امتداد القرن، فان هذا المحرك سيجتاز الخط الفاصل بين القرنين العشرين والحادي والعشرين وهو اكثر تفاؤلا بمستقبله في خدمة الانسان. ان محرك الديزل يستطيع ان يلعب دورا رئيسيا في محطات توليد الطاقة المستقبلية. ولكن قبل ان يحدث ذلك لابد من تطوير محركات الديزل بحيث يتم التحكم بغازات العادم المنطلقة منها، بالاضافة الى التصدي الى التحديات الشديدة والكثيرة التي تواجه صانعي هذا النوع من المحركات.
ومع ان محرك الديزل، شأنه شأن محرك البنزين، مستعمل في السيارات منذ عقود كثيرة، الا ان الاختلافات بين المحركين عديدة، وهذه الاختلافات هي التي أهلت وتؤهل محرك الديزل الى دور حضاري متميز في القرن القادم. ان محرك الديزل على عكس محرك البنزين المستعمل في السيارات الصغيرة، لا يشعل الوقود اعتمادا على طاقة حرارية خارجية، مثل شمعات الاشتعال وما تتطلبه من دارة كهربائية ذات جهد عال لتأمين الشرارة وتقطيعها بواسطة البلاتين، ولكنه يستعمل الحرارة المتولدة عن انضغاط الهواء لاشعال خليطة الهواء - الوقود في اسطوانته.
وبغية الوصول الى درجة الحرارة العالية اللازمة للاحتراق فإن نسبة الانضغاط اللازمة في محركات الديزل يجب ان تكون عالية تصل الى 1:16 وهي النسبة الاكثر استعمالا. وعند نسبة الانضغاط هذه فإن درجة الحرارة ترتفع الى 500 درجة مئوية كما يرتفع الضغط الى 40كلغ سم2، علما بان نسبة انضغاط الهواء في محرك البنزين العادي تقع في المجال 4:1 و10:1.
التشغيل
محرك الديزل يمكن ان يكون اما بدورة ذات اربعة اشواط او ذات شوطين. بالنسبة للدورة ذات الاشواط الاربعة فإن المكبس يتحرك أولا نحو الاسفل بينما تكون فتحة الدخول مفتوحة (مرحلة الامتصاص). وهذه المرحلة تؤدي الى امتلاء الاسطوانة بالهواء ثم تنغلق فتحة دخول الهواء، وعندما يبتدىء المكبس مرحلة الصعود الى الاعلى حيث يضغط الهواء في الاسطوانة (شوط الانضغاط) وقبل ان يصل المكبس الى ذروة ارتفاعه يتم حقن الوقود عبر فوهة خاصة. عندها يمتزج الوقود مع الهواء المضغوط ويشتعل المزيج بتأثير درجة الحرارة الناتجة عن الانضغاط الشديد. وهكذا يندفع المكبس بشدة نحو الاسفل بتأثير انفجار مزيج الهواء فى الوقود (شوط التمدد او شوط الطاقة). بعدها يرتفع المكبس من جديد حيث يكون صمام الطرد مفتوحا هذه المرة حيث يدفع امامه غازات الاحتراق بأسرها (شوط التفريغ). وهكذا تبدأ العملية من جديد باستقدام هواء جديد بينما يبدأ المكبس شوطا جديدا للامتصاص.
ان محرك الديزل ذا الشوطين مماثل لنظيره ذي الاشواط الاربعة باستثناء ان غازات الافلات تطرد من الاسطوانة بواسطة طارد خاص عندما يكون المكبس في وضعية الحجم الاعظمي تقريبا. وفي الوقت ذاته فان مروحة الطرف تقدم امدادا جديدا من الهواء لمزجه مع الوقود عندما يصل المكبس الى وضعية الحجم الاعظمي. في هذا المحرك فان الاحتراق يحدث كل دورة، بينما يحدث كل دورتين بالنسبة للمحرك رباعي الاشواط، كما ان معظم محركات الديزل الكبيرة تستعمل الدورة ذات الشوطين.

رسم يوضح الأشواط الأربعة في محرك الديزل ان تشغيل محركات الديزل اقتصادية نظرا لأن هذه المحركات تستخدم وقودا ارخص من البنزين وهي تقدم طاقة اكبر. كما انها ابسط ميكانيكيا وهي ليست بحاجة الى نظام الاشعال المعقد ولا تحتاج الى الكاربويتور (المفحم) الموجود في محركات الاحتراق الداخلي العادية. الا انها اثقل - لأن جدران الاسطوانة اسمك كي تكون اقوى لتتحمل الضغط العالي المطلوب - فهي تستعمل عموما لتزويد السيارات بالطاقة. وهي تلاقي تطبيقا واسعا مع ذلك في الشاحنات الضخمة، والاتوبيسات، عربات الجر في القطارات، والسفن، وفي المعدات الصناعية ذات الاداء العنيف حيث تتطلب الامور استطاعات تصل الى 5000 حصان بخاري. وفي هذه الحالة فانها الأكفأ أداء من المحركات الأخرى.
لقد مضى اكثر من قرن منذ ان نجح رودلف ديزل بابتكار المحرك المعروف باسمه، ذي الاستطاعات المتدرجة، القادر على استعمال انواع الوقود المحلية المتوفرة. وقد شكل هذا الاختراع نقطة التفاف مصيرية حاسمة في مجال استعمال الطاقة عموما، والكهرباء خصوصا، في الصناعة.
ولكن ديزل كان سيصعب عليه التعرف على محركه اليوم، على الجيل الجديد من محركات الديزل. فمحرك الديزل الآن لا يزال اكثر انواع المحركات كفاءة ضمن جميع انواع محركات الاحتراق الداخلي، والشيء الذي تغير هو سلسلة التطويرات والتحسينات في تكنولوجيا هذا المحرك في غضون هذا القرن، مع حقن الوقود وعنفات (توربينات) الدورة المشتركة التي ادت الى زيادة المردود بشكل كبير في الوقت الذي انقصت ضمنه كمية الغازات الضارة المنطلقة الى الجو. واصبحت محركات الديزل المشتركة مع الغاز المحركات الرئيسية في سوق محطات توليد الطاقة، مع حصة مشتركة في السوق تبلغ حوالي 10% من محطات التوليد جميعها التي تبنى سنويا حول العالم.
وبما ان المجتمع الحديث يعتمد كليا وبشكل مستمر على الطاقة الكهربائية فان مجموعة مختلفة من الصانعين تنتج الان انواعا من الديزل في تشكيلة واسعة من احجام المحركات وذلك لتلبية احتياجات متنوعة بشكل هائل من التطبيقات المؤقتة والدائمة على السواء. ونظرا لمردود المحرك، ووثوقيته، وتكاليفه  التأسيسية المنخفضة، فان محركات الديزل الصغيرة (ذات الاستطاعة الاقل من 1 ميغاوات) والمتوسطة (باستطاعة تتراوح بين 1 - 30 ميغاوات) تستعمل غالبا في الدول النامية من اجل اغراض التغذية الكهربائية الرئيسية، وكذلك في العالم المتقدم كمصدر داعم للاستطاعة او كبديل منافس للاستطاعة المستجرة من الشبكة العامة (القومية). ولكن يرى بعضهم في الدول المتقدمة ان هناك امكانية كبيرة لاستعمال محرك الديزل في توليد الحمولة الأساسية.
ان مجموعات التوليد المتوسطة والكبيرة ذات الاستطاعة الاكبر من 30 ميغاوات المصممة من اجل توليد الكهرباء يمكن ان يبلغ مردودها 50 - 55 بالمائة. كما ان وحدات الديزل الكبيرة قابلة للمقارنة (حسب سعر وحدة الكيلووات) مع محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم الحجري. وتتميز بالعمر الطويل وتقدم حلا بديلا اقتصاديا في التطبيقات حيث لا يمكن اللجوء الى انشاء محطات للتوليد كبيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق