الخميس، 27 مارس، 2014

اسباب البطالة


سبب البطالة

أن 
البطالة ناجمة عن تقدم العلم والتقنية، أي تقدم وسائل الإنتاج، وهذا ما يزعمه الخطاب السائد. هذا الخطاب صحيح تماماً في الظاهر، أي هكذا تبدو الأمور على السطح. لكن ما هي الحقيقة؟ وهل هذه تطابق الظاهر، أم تختلف عنه؟ فليس من شك إطلاقاً أن استخدام وسائل إنتاج أكثر تقدماً يؤدي بصورة إجمالية إلى زيادة الإنتاجية، 
وبالتالي إلى خفض كمية العمل اللازم للإنتاج وخلق فائض من الوقت، وقت الفراغ الذي يمكن تخصيصه لأغراض أخرى. هذا، أصلاً، أحد الأهداف الرئيسية للتقدم التقني، وهو يؤديها بنجاح تام. أما ما هو مصير هذا الفائض من الوقت الذي يحرره التقدم التقني من عملية الإنتاج، فتلك هي المسألة. وهذه المسألة ليست من مسؤولية التقدم التقني، وإنما هي من مسؤولية النظام الاجتماعي، ومن مسؤولية الإنسان العامل ذاته، فهما اللذان يقرران مصير هذا الفائض. 
وهنا يكمن المشكلة كلها، لب الحقيقة التي يبرزها التقدم العلمي بجلاء، والتي يأتي الخطاب ليخفيها ويزيفها. ماذا نفعل بهذا الفائض؟ تلك هي المسألة الجوهرية التي تحددها مجمل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية السائدة، أي "النظام العالمي". فإما أن يستخدم كتلة الوقت الفائض لخير الإنسان والبشرية، فيكون نظاماً اجتماعياً جيداً، تقدمياً، يمثل مصالحها تمثيلاً صحيحاً، أو على العكس من ذلك، يستخدمها لأغراض أخرى غير نافعة أو ضارة، ويكون عندئذ نظاماً اجتماعياً سيئاً، لاعقلانياً، وبالياً.
بعبارة صريحة، السؤال هو على الصعيد الوطني: أنهدر الفائض بتحويله إلى بطالة، أي برمي كتلة من العمال إلى قارعة الطريق، وحرمانهم من العمل والأجر، وإرهاق أسرهم، ودفعهم إلى اليأس والضياع وربما إلى ممارسة أنشطة محظورة و" أعمال" طفيلية ضارة وإلى الجريمة المنظمة، أو إلى الهجرة والاغتراب، وغير ذلك، مما يؤدي إلى خسائر فادحة اجتماعية وأخلاقية، أولاً، واقتصادية، ثانياً، حيث تنعكس في زيادة التكلفة العامة للإنتاج الوطني وبالتالي في ضعف المنافسة إزاء السلع والخدمات الأجنبية؟
الإجابة على هذا التساؤل، وفقاً للخطاب المذكور، هي بالإيجاب وهي واضحة نظرياً وعملياً ولا تترك أي مجال للشك. فالممارسة الرأسمالية في جميع البلدان الغربية تثبت ذلك صراحة 
دون لبس، حيث الدول الرأسمالية لا تسعى إطلاقاً إلى وضع حل صحيح ونهائي لمشكلتي 
البطالة والفقر، كما سنرى لاحقاً، فهي تدرك تماماً أن مثل هذا الحل ليس مرغوباً من قبل سادة النظام من ناحية، وهو مستحيل عملياً في إطاره من ناحية اخرى. في هذه الحال ألا يغدو التقدم العلمي والتقني مناقضاً لغايته التي هي خدمة الإنسان وراحته ورقي شخصيته، وتكون زيادة الإنتاجية ضد مصلحة العامل، دون معنى، بل ذات معنى لا إنساني؟
أم نعيد استخدام الفائض في مجالات اقتصادية أخرى، أي في توسيع العملية الإنتاجية لإشباع الحاجات بشكل أفضل، وبخاصة الحاجات العليا التي تعطي معنى للحياة، من ناحية، ولزيادة أوقات الفراغ اللازمة للتمتع بالحياة والراحة والفنون، والاهتمام بالأسرة والأصدقاء وبالأمور الشخصية، وممارسة الأنشطة الاجتماعية التضامنية التي تحقق غاية إنسانية جميلة ونبيلة، وما شابه ذلك؟ أليس هذا بالضبط هو الحل الصحيح الذي يحقق الغاية من التقدم التقني ومن زيادة الإنتاجية؟ أليس هذا هو المنهج الصحيح الواجب تطبيقه لامتصاص فائض العمل كله وتقليص البطالة، أو إلغائها؟ أليس هو الحل الأفضل بل الوحيد الذي تفرضه نظرية اقتصادية-اجتماعية-أخلاقية هدفها وغايتها خير البشر وتناغم المجتمع والتقدم الإنساني؟ أليس في هذا بالضبط يكمن العلم الاقتصادي؟ لكن مثل هذا العلم يناقض النظرية الرأسمالية التي همها الأول حرية السوق والمنافسة والربح والسيطرة وتراكم الثروة في أيدي الأقلية، وحرمان الغالبية من البشر والشعوب من ثمار العمل والتقدم العلمي والتقني.
أما البلدان الفقيرة، فمثل هذه السياسات ترهق شعوبها اقتصادياً وسياسياً، كما أرهقت الاتحاد السوفييتي سابقاً، حيث تشكل أحد أهم أسباب تبديد الموارد والفقر، وعسكرة المجتمع وممارسة القمع والاستبداد وانتشار الفساد. لذا فإن هذه السياسات التي تفرضها العلاقات الدولية السائدة، وتفرضها عليها بخاصة، وبشكل مباشر وفج في كثير من الأحيان، القوى الكبرى والأنظمة المرتبطة بها، كإسرائيل على سبيل المثال بالنسبة للبلدان العربية، تشكل جريمة لا تغتفر بحق الشعوب الفقيرة وبحق البشرية ككل.
هكذا تبرز لنا ظاهرة 
البطالة كتعبير عن سوء العلاقات الاجتماعية وإجحافها، كوجه آخر لسوء توزيع أو تقسيم العمل الاجتماعي، وسوء توزيع الدخل والثروة، على المستويين المحلي والوطني، وعلى المستوى العالمي بين الدول الغنية والدول الفقيرة. وبالتالي يتضح لنا أيضاً، أن البطالة والقهر والحرمان التي تشكل آفات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية معاً، ليست نتيجة طبيعية للتقدم التاريخي، وبخاصة ليست نتيجة حتمية للتقدم العلمي والتقني، كما يزعم الفكر المحافظ المدافع عن المصالح والامتيازات المكتسبة ضد منطق العلم والتاريخ، وإنما هي ناجمة عن فساد وجور وخلل أساسي في النظام الاجتماعي السائد، في العملية الاقتصادية-الاجتماعية كلها الجارية اليوم في ظل العولمة وعلى جميع الصعد، الدولية والإقليمية والمحلية. هذا ما تذكرنا به تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة سنوياً، داعية الجميع، حكومات ومنظمات وشركات، إلى توجيه جهودها لتصحيح الخلل وبناء علاقات أكثر عدلاً وانسجاماً. لكن هذا "الجميع" لا يعني أحداً من الأحياء بالذات. فالمحرومون المهمومون بخبز يومهم، صوتُهم لا يُسمع. والأسياد غارقون في ترفهم وحساباتهم المصرفية، التي ليس لهم أوطان ولا قلوب ولا آذان. فلمن إذن النداء؟
ألا يمكن إذن حل المشكلة، مشكلة 
البطالة والفقر والحرمان والجوع؟ أليس ثمة بديل أو أمل حقيقي؟ نعم، دون ريب. هنالك مستقبلات بديلة، لكنها لن تهبط علينا من الأعالي. مستقبلات يزخر بها التاريخ، وعلينا أن نبحث عنها بجد وإيمان، ونعمل لتجسيدها في الواقع. نعم إننا "محكومون بالأمل"، والأمل يقتضي منا الاجتهاد والعمل دون كلل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق