الأربعاء، 5 مارس، 2014

الفلسفة نمط متميز من التفكير





الفلسفة نمط متميز من التفكير" ما الذي يبرر ذلك
إن ما يعرف عادة بالمعجزة اليونانية , يعود أساسا إلى بروز ظاهرة جديدة في تفكير اليونانيين الذي تخلص شيئا فشيئا من العناصر الأسطورية و الخرافية والغيبة التي كانت تسيطر عليه وعلى معظم الظواهر الفكرية السابقة لتلك الفترة . وهو تفكير ينطلق من إدراك الذات البشرية لذاتها ووعيها بقدرتها على البحث في الموضوعات الخارجية وبلوغ حقائقها , وهو ما يعرف بالتفكير الفلسفي أو القدرة على التفلسف فما هي خصوصيات التفكير الفلسفي ؟ وما الذي يجعله تفكيرا متميزا ؟
إن من أبرز خصوصيات التفكير الفلسفي أنه بمثابة محاولة تجاوز لما هي عليه الحياة اليومية إلى شيء آخر أكثر قيمة بالنسبة للمرء , إلا أن هذا الشيء القيم لا يتجلى للمرء من أول وهلة , كما أن محاولة التجاوز تتطلب من المرء بحثا وتفكيرا عميقا , وهكذا يرتبط التفكير الفلسفي بذلك الجهد الفكري الذي يبذله المرء والذي يجب على كل متفلسف أن يقوم به . هكذا كان حال الذي فلاسفة اليونان الأوائل خاصة سقراط الذي صارع الرأي العام من جهة و السوفسطائيين من جهة أخرى , فالممارسة الفلسفية تفرض على الفيلسوف التخلص من قيود العادات والتقاليد البالية التي تقيد تفكيره , ومن سيطرة الأفكار والظواهر التي تحد من رؤيته ( فهو يعالج موضوعا محددا انطلاقا من التساؤل عن العلل الأولى للوجود , مرورا بالمعرفة والقيم إلى البحث في العلم , وهو ما يتبع في ذلك منهجا تأمليا عقليا يقوم على خصائص تميزه عن منهج العلم التجريبي ) ولعل هذا ما يدفع بالفلاسفة إلى الشك من اجل تحرير الفكر , والوقوف على اليقين مثلما هو الحال عند الغزالي وديكارت وهذا يقودنا إلى ميزة أخرى من أهم مميزات التفكير الفلسفي وهي النظرة الفاحصة , واليقظة الدائمة والانتباه المستمر أمام كل المشاكل التي تعترض الفيلسوف , فلا يقبل شيئا و لا يرفض شيئا إلا بعد إخضاعه لمقياس العقل , فالخطاب الفلسفي خطاب عقلاني يستند إلى البرهان .
إن الفلسفة في نظر برتراند رسل تبدأ عند وعي الإنسان بنقائص معارفه وهذا الوعي لا نجده عند غالبية الناس بل البعض فقط هو الذي يدرك هذه النقائص فيقول : " وإنك لتخطو الخطوة الأولى في سبيل الفلسفة إذا أدركت هذه النقائص في تفكير العامة " . وهكذا فقد وجد فلاسفة في المجتمعات القديمة في بلاد فارس والهند وغيرهما , إلا أن أرسطو يقول : إن البحث عن المعرفة الفلسفية لم يبدأ إلا في البلاد التي تحقق فيها كل ما هو ضروري لتسديد حاجيات الحياة " . وهذا يعني أن وجود التفكير الفلسفي مرتبط بالظروف الملائمة . ولعل هذا ما جعل الفلسفة بالمعنى الدقيق لم تبدأ إلا مع اليونان . فالظروف الاقتصادية للمجتمع اليوناني والتقسيم الطبقي فيه أفرز فئة متحررة من ضغط الحاجة كرست كل أوقاتها للعمل الذهني , كما أن الظروف السياسية وما تمتع به المجتمع اليوناني من ديمقراطية في إطار الدستور الأثيني الذي يضمن حرية التفكير والتعبير . وفر للفكر الظروف الملائمة للتفتح والتطور . وهذا يفرض علينا أن نؤكد على ارتباط الفلسفة بالظروف التي تنشأ فيها . فالظروف الملائمة شرط وجود الفلسفة.
إن الفلسفة هي سبب تطور الفكر البشري , وقيمتها تتمثل في قدرتها على توعية الإنسان بواقعه , وبضرورة البحث عن حلول ناجحة للمشاكل الحقيقية التي يواجهها على كل مستويات حياته الاجتماعية . فهي وإن كانت لا تقدم حلولا جاهزة فإنها تفتح المجال للبحث والتفكير . وتطرح الأسئلة التي يجب على الإنسان أن يطرحها . إلا أن الفلسفة جانبا من الخطورة على الإنسان ويتمثل في إمكانية إبعاد الإنسان عن الواقع الذي يعيش فيه بمعالجتها لمسائل ثانوية ومجردة لا تخدم الإنسان و لا تيسر عليه حياته .
إن التفكير الفلسفي تفكير متميز , يتميز عن الخرافة ويتميز عن العلم , له موضوعه الخاص , وله منهجه الخاص أيضا , كان تمهيدا لظهور فكر بشري مختص وسيظل حافزا ودافعا على العمل , فالمجتمع لا تستقيم حياته و لا يتقدم دون أن يكون فيه فلاسفة , فيقول ديكارت : " إن حضارة كل أمة إنما تقاس بقدرة ناسها على تفلسف أحسن , وهكذا فإن الخير كل الخير بالنسبة لأمة ما أن يكون فيها فلاسفة حقيقيون " .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق