الأحد، 2 مارس، 2014

المظاهر العمرانية والاجتماعية في المدينة والقرية



المظاهر العمرانية  والاجتماعية في المدينة والقرية

اولا المظاهر الاجتماعية والعمرانية في القرية
المجتمع القروي يعيش مستوى تنظيم منخفض. ويتكون من الفلاحين والرعاة وصيادي الحيوانات والأسماك. ويُفهم، عادة، كمقابل للمجتمع الحضري. ويتميز المجتمع الريفي بسيطرة نسبية للحرف الزراعية، والعلاقة الوثيقة بين الناس، وصغر حجم تجمعاته الاجتماعية، والتخلخل السكاني النسبي، مع درجة عالية من التجانس الاجتماعي وضآلة التميز والتدرج الداخليين، فضلاً عن ضآلة الحراك الاجتماعي الرأسي والوظيفي عند السكان.
هناك أوجه شبه عامة ومشتركة في الحياة القروية في جميع أنحاء العالم، طالما أن الفلاحين يعملون بالزراعة، التي تشكّل، في الوقت نفسه، طريقتهم في الحياة الحياة الاجتماعية في القرية تتلخص في أن القرويين يرتبطون بالأرض ارتباطاً وثيقاً يصل إلى حد التقديس. كما أنهم يتعلقون بالطرق التقليدية القديمة ويضحون بمصلحتهم الشخصية في سبيل العائلة. ويسيطر الشعور الديني على الكثير من مظاهر سلوكهم. ويبدون بعض مظاهر الشك والريبة، وخاصة تجاه سكان المدينة.
فالعمل الزراعي في نظر اهل القرية هو من أهم الأعمال وأجلَّها قدراً؛ لأنه مرتبط بنوع من الشعور الديني، إذ إن العمل بجد في الأرض يُرضي الله ويضمن الرزق. كما ينظر سكان الريف إلى سكان المدن على أنهم أُناس مرفهون، تتعب بسرعة ولا تحتمل المشقة وغير قادرة على مزاولة العمل الشاق في الزراعة، الذي هو مصدر زهو القروي. وطبيعي أن يمتد هذا الاحتقار إلى الأعمال التجارية.
كما تُمارس الحياة في المجتمع الريفي في إطار من الود الجماعي الكبير للغاية مع الجميع، بحيث يُصبح من الطبيعي إيجاد روابط خاصة. ويتطلب انتظام الحياة في المجتمع الريفي أن يقبل كل فرد، ولو ظاهرياً على الأقل، القوانين والأعراف، التي تحكم السّلوكيات ونظام القيم السائد. وكل من يسعى إلى التفرد يُحدث أخطاء في حسن سير الحياة الاجتماعية. كما أن الطفل الريفي مندمج بعمق في بيئته المحلية التي يعيش فيها، ويتطابق بسهولة مع والديه الذين يتقاسم معهم المسؤولية في مرحلة مبكرة جداً من حياته. ويوضح هذا أن البيئة الريفية تشجع حدوث اندماج مبكر للشخصية، ومن ثَم، فمن الصعب أن يحصل الفرد الريفي على استقلال كامل في الرأي، طالما أن والده لا يزال مصدراً رئيسياً للدخل الاقتصادي، ورئيساً للأسرة الريفية.
أن اصطلاح أو مفهوم القرية، ينطبق على كل مجتمع يتكون من عدد من المنتجين الصغار لغرض الاستهلاك الخاص.
القرية لها خصائص وسمات عامة تميزها عن غيرها من المجتمعات الأخرى. فالمجتمعات الريفية يسكنها الفلاحون المتجانسون والمتعاونون والمتكاملون، وتسود بينهم علاقات المواجهة، ويتخذون من الزراعة عملاً رئيسياً لهم. وهم لا يشكلون كثافة سكانية في مناطقهم. كما أن المجتمعات الريفية يمكن تمييزها بالعين المجردة، بكل مظاهرها الخارجية الواضحة، وثقافتها الريفية المميزة. ويمكن تحديد أهم خصائص هذه المجتمعات فيما يلي:
1. تزداد العلاقات الاجتماعية في المجتمع الريفي بدرجة كبيرة. وتكون فيه العلاقات السائدة قائمة على علاقات الوجه للوجه، أي علاقات الأواصر القوية، التي تقوم على اللقاء المباشر، والتعاون والتكامل الدائم، والتفاهم المشترك الوثيق، والإيثار الكامل، والاشتراك الكامل، في كافة المناسبات الاجتماعية. ويسود التضامن الاجتماعي نتيجة للتشابه في السمات العامة، والخبرات المتماثلة، والاتفاق في الأهداف العامة المشتركة، ما يؤدي إلى سيادة العلاقات الشخصية غير الرسمية.
2. يتسم المجتمع الريفي بأحادية المهنة وهي الزراعة. وعلى أساس أن العمل في الزراعة غير متخصص، فإن على الفلاح العمل في كل نواحي الإنتاج الزراعي؛ فعليه أن يجيد بعض المهام المكملة للعمل الزراعي، كقطع الأخشاب أو إصلاح الجسور وأدوات الزراعة وما إلى ذلك. وقد أدى عدم التخصص إلى وجود نظام معين لتقسيم العمل؛ فالرجال –مثلاً- يقومون جميعاً بالعمل نفسه مهما كان عددهم في الأسرة، وكذلك الأمر للنساء.
3. يتسم المجتمع الريفي بالتجانس، ولعل صفة التجانس هي التي تميز المجتمعات ذات المهنة الواحدة عن المجتمعات متعددة المهن. فالريفي يعيش في الواقع مجتمعاً واحداً بكل أبعاده المهنية والاقتصادية والاجتماعية، ويتفاعل فيه وينفعل به. فالقروي يعرف مجتمعه كله وذلك لتشابه اللغة والعقائد والأعراف وأنماط السلوك، مع الاشتراك في المصالح العامة والمهنة الرئيسية. الذي يسود هذه المجتمعات التقليدية ذات الحجم الصغير نسبياً، والتي يتصف سكانها بالتجانس والتشابه في طريقة الحياة، وتقسيم العمل، والارتباط القوي نظراً لمعرفة كل منهم بالآخر، واشتراكهم سوياً في احترام القيم والسلطة العامة. كذلك، فإن نطاق الفردية في هذا المجتمع محدود للغاية؛ فالأبناء يترعرعون على منوال حياة آبائهم ومن ثم يتوقع لهم أن يعيشوا طريقة حياة آبائهم نفسها. وهذا من شأنه دعم تجانس المجتمع الريفي.
4. تتسم الحياة الريفية بالبساطة. وتظهر هذه البساطة في بُعد الفلاح عن مظاهر التعقيد الموجودة في المدينة. ويرجع هذا إلى بساطة الأعمال التي يقوم بها، والتي اتخذت شكلاً متكرراً، إلى جانب بساطة الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها. ومن مظاهر بساطة الحياة في الريف أن الفلاح لا يعلق أهمية بالغة على الكماليات، التي تصبح في المدينة في مرتبة الضروريات.
5. تتسم الحياة الريفية بقوة الضبط الاجتماعي ؛ فالمجتمع الريفي يتميز بقوة الضبط المتمثلة في العادات والتقاليد والأعراف. فالريفيون يعيشون حياتهم الخاصة متأثرين بالقواعد السلوكية غير الرسمية، فيتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم ويحافظون عليها بشدة ويتناقلونها عبر الأجيال. كما تلعب الشائعات دوراً مهماً في الرقابة على السلوك، وتصرفات الأفراد في القرية.
بناءً على ذلك، يمكن تعريف المجتمع الريفي بأنه المجتمع الصغير نسبياً، والذي يعمل غالبية سكانه بالزراعة كعمل رئيسي لهم، والذي يتميز بالعلاقات المباشرة والوثيقة المتمثلة في علاقات المواجهة؛ لذلك فهم أكثر تجانساً واعتماداً على بعضهم. كما أنه يخضع لقوة الضبط الاجتماعي غير الرسمي المتمثلة في العادات والتقاليد والقيم والأعراف، كما تنتقل معايير السلوك في مثل هذا المجتمع من جيل إلى جيل.


ثانيا : المظاهر العمرانية والاجتماعية في المدينة

  أغلب المجتمعات المعاصرة مجتمعات حضرية تمارس الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في المدن ، خاصة المدن الكبرى ، وقد إرتبطت بالمدن في الوقت الحاضر عدد من المشكلات الضاغطة، بعضها طبيعية مثل تلوث الماء والهواء ، وبعضها اجتماعية كالهجرة والفقر واليأس وما يترتب عنها جميعا ، وبعضها إقتصادية كالبطالة و إرتفاع تكاليف الحياة وسوء توزيع الخدمات ،وبعضها مجالية كنوعية الحياة الحضرية والمسائل الجمالية في المدين. ثم أخيرا  لاعتبارات سكانية  ، والتي لها خطورتها وأهميتها في تحديد شخصية التجمعات الحضرية، وتعني الاعتبارات السكانية شيئين :
المدن تقدم تسهيلات وظيفية وخدمية ، لسكان المناطق الريفية المحيطة بها فضلا عن سكانها ، وفي نفس الوقت فإن المدن تتزود بالمنتوجات الزراعية من المناطق المحيطة بها، كالألبان واللحوم والخضروات والفواكه التي يوفرها ظهير المدينة.
والمدن تحتاج يوميا إلى مواد غذائية من المناطق الريفية المحيطة بها، ويتوقف اتساع ظهير إمداد المدينة بالمواد الغذائية اللازمة لإعالة سكان المدينة على حجم الطلب عليها من المدينة والذي يتوقف على حجم سكان المدينة وقدرتهم الشرائية وحجم الطلب من المدن المجاورة .
المدن هي كل تجمع للمنازل المتصلة ، التي يتجاوز عدد سكانها رقما معينا غالبا ما يكون 5000 نسمة وقد ينخفض إلي 3000 نسمة كما في أمريكا الشمالية أو بعض الدول الاسكندنافية ،كما قد يرتفع هذا العدد إلى حوالي 2000 نسمة كما في مصر أو الهند، أما في الجزائر فيبتدئ هذا المعيار من حوالي 5000 نسمة،ولكنه رقم لا يمثل حدا فاصلا بين القرية والمدينة ، ولهذا السبب يمكن اعتبار المعيار الحجمي (الإحصائي) غير كاف لتحديد القرية أو المدينة.


الفرق  بين المدينة والقرية:
1 ـ المدينة أكثر ناساً بخلاف القرية.
2 ـ روابط الأفراد في المدينة عادية، بينما الروابط في القرية شديدة، وهكذا معاداة أفراد المدن بعضهم لبعض ضعيفة بينما معاداة أفراد القرية شديدة والسر أن كثرة أعمال روابط فرد المدينة لا تدع له مجالاً لشدة الولاء، أو شدة العداء بخلاف القرية.
3 ـ سعة مجال العمل والزواج والانضمام إلى الجمعيات والمؤسسات في المدينة دون القرية.
4 ـ قوة العلم والدين والأخلاق والآداب في المدينة، لكثرة المدارس والمعلمين والوعاظ والمربين في المدينة دون القرية.
5 ـ كثرة الأمراض ويسر العلاج في المدينة، وبالعكس من الأمرين القرية، حيث تلوث البيئة في المدينة أكثر والطب والوسائل الطبية فيها أكثر بخلافهما في القرية.
6 ـ تعقد النفس في المدينة دون القرية، وذلك لأن كثرة الروابط وتناقضها، وشدة الطبقية وكثرة الحرمان في المدينة توجب ذلك، والقرية ليست كذلك.
7 ـ سهولة المعاملات، وعدم التدقيق في أمرها في المدينة، وذلك لأن كثرة الشأن فيها لا يسمح بالدقة، بخلاف القرية حيث قلة الشأن فيها فتكون مسرحاً للدقة.
8 ـ ضعف مراقبة الأهل والأولاد في المدينة، وشدتها في القرية، إذ سعة المدينة من ناحية، وكثرة شغل الإنسان فيها من ناحية ثانية، تجعل الأولاد ونحوهم بمنأى عن عين الأب والأم، ثم إن أشغالهما يمنعان من المراقبة الدقيقة وبالعكس من كلا الأمرين القرية.
9 ـ في المدينة الدخل أكثر والأرباح أوفر، بخلاف القرية، وذلك من جهة ارتفاع مستوى المعيشة في المدينة دون القرية من ناحية، ومن جهة وجود النقد أكثر في المدينة مما يجعله أكثر ابتذالاً، وبالعكس من ذلك القرية.
10 ـ التحرك الاجتماعي في المدينة عمودياً وأفقياً، حيث مختلف المؤسسات، ومتفاوت الدرجات، فيتمكن الإنسان أن ينتقل من وظيفة إلى وظيفة، كما يتمكن أن يصعد من مرتبة نازلة إلى مرتبة رفيعة، وأحياناً بالعكس وليس كذلك القرية، ولذا يكون هناك الجمود.
11 ـ أخطار المدينة أكثر من حيث السرقة، والسطو، والاختطاف، والدهس وغيرها، حيث كثرة السيارات، وتنوع الناس، وإمكانية المفسد من الاختفاء، في بحر الناس بخلاف القرية في كل ذلك.
12 ـ كثرة الفساد في الـمديــنــة من زنا ولـــواط واستعمال المخدرات ونـــحوها بخلاف القرية، وذلك للأسباب التي تقدمت في بند (11).
13 ـ زيادة الحر والبرد في القرية لقلة العائق لهما من الأبنية والعمارات بخلاف المدينة لكثرة العائق، ولذا يمكن الاستفادة من الطبيعة أكثر من القرية من المدينة.
14 ـ تشتد النزاعات القومية والطائفية والعرقية وغيرها في القرية دون المدينة، وذلك لأن المدينة بحضارتها الكثيرة ترقق من المشاعر وتعطي رؤية أوسع، بخلاف القرية في ذلك.
15 ـ تجعل القرية أفرادها أبعد عن عين الحكومة ومتناولها، حيث تضعف أجهزة الحكومة في القرية، وحيــــث القرابة والصداقة الشديدة في القـــرية، مما يستر بعضهم على بعض، وليس كذلك المدينة، ولذا تشد القرية من إزر التنظيمات المناوئة للحكومة
ولا يخفى أنه تختلف المدن والقرى الساحلية، والجبلية، والغابية، والسطحية في بعض تلك الجهات، كما أن حركة التهريب في الساحلية، والحرب في الجبلية والغابية، وغيرهما تختلف اختلافاً كبيراً، كما أن المدن الصناعية تختلف عن غيرها من بعض الحيثيات المتقدمة، وكذلك بالنسبة إلى القرية.

هناك 3 تعليقات: