الخميس، 20 مارس، 2014

السلفية الدينية السلفية الإستشراقية السلفية الماركسية



قراءة عصرية للتراث
 
 "السلفية الدِّينية", "السلفية الإستشراقية" ثم "السلفية الماركسية".
          أ- أما "التيار السلفي الديني",  «حركة دينية وسياسية,إصلاحية و منهجية, مع الأفغاني وعبده, حركة تنادي بالتجديد و ترك التقليد». والتقليد هنا يعني «"إلغاء" كل التراث المعرفي والمنهجي و المفهومي المنحدر إلينا من "عصر الإنحطاط" و الحذر, في ذات الوقت, من السقوط "فريسة" للفكر الغربي..أما "التجديد" فيعني بناء فهم "جديد" للدين, عقيدة و شريعة, انطلاقا من الأصول المباشرة, والعمل على تحيينه, أي جعله معاصرًا لنا و أساسنا لنهضتنا و انطلاقنا»3.
          « إنها "السلفية الدينية" التي رفعت شعار الأصالة والتمسك بالجذور والحفاظ على الهوية»4؛ سلفية قرأت "التراث" "قراءة لا تاريخية" فنتجت بذلك ما سماه الرجل بـ"الفهم التراثي للتراث", ولذلك فإن هذه الفئة احتواها "التراث" و مارس عليه سلطته  ولم «تستطع هي أن تحتويه لأنها: التراث يكرر نفسها»5.
          إن من المفارقات التي وقعت فيها هذه "القراءة الإيديولوجية الجدالية" هي أن «الماضي الذي أُعيد بناؤه بسرعة قصد الارتكاز عليه "للنهوض" أصبح هو نفسه مشروع النهضة»6. هكذا مكَّن هذا التيار لنفسه أن يقرأ المستقبل بواسطة الماضي, ليس الماضي الذي كان, بل «الماضي كما كان ينبغي أن يكون»7.
          ب- أما "السلفية الإستشراقية", إن "السلفية الإستشراقية" قد أقامت حوارا بين "الحاضر" و "الماضي", «و لكن لا حاضرنا نحن, بل حاضر الغرب الأوربي الذي يفرض نفسه "كذات" للعصر كله, للإنسانية جمعاء, و بالتالي كـ"أساس" لكل مستقبل ممكن, الشيء الذي جعل أثره ينسحب على الماضي نفسه,و يلونه بلونه»8.
          إن نظرة اللِّيبرالي العربي "للتراث" لا تختلف عما يراه فيه الأوروبي. إنها «قراءة أوربَّاوية النّزع»9 حيث أن هذه الفئة تعيش حاضرها, بل و تنظر إلى "التراث" العربي الإسلامي, في حاضر الغرب الأوروبي, هي قراءة يتبنَّاها حتى بعض أساتذة عرب «تقدِّم نفسها كقراءة عملية "تتوخى" الموضوعية, و"تلتزم" الحياة, و "تنفي" أن تكون لها أية دوافع نفعية أو أهداف إيديولوجية.(...) و تدَّعي أن ما يهمها هو فقط, الفهم و المعرفة و أنها إذ تأخذ من المستشرقين منهجهم "العلمي" تترك إيديولوجيتهم, ولكنها تنسى أو تتناسى أنها تأخذ الرؤية مع المنهج, وهل يمكن الفصل بينهما»10.
          الرّؤية الإستشراقية, في دراستها "للتراث" العربي الإسلامي, وظفت المنهج الفيلولوجي.و هذا ما خوَّل لها أن تُرجع أصوله (التراث) إلى اليهودية و المسيحيَّة و الفرسية و اليونانية و الهندية... هذا بالإضافة إلى هذا, فإن "السلفية الإستشراقية" تضع مستقبل الدول العربية مشروط باستيعاب "الحاضر الماضي الأوربي" مقايسةً لمل قالوه حول أصل الثقافة العربية الإسلامية.
          جـ- أما التيار الثالث و الأخير, تيار "السلفية الماركسية", الذي طرح ضمنه الجابري هذا السؤال: "كيف نحقق تورثنا؟... كيف نعيد بناء تراثنا؟". ذلك التيار الذي حاول تطبيق "المنهج الجدلي" الماركسي على "التراث" العربي الإسلامي, و يُقيم حواراً بين "المستقبل" و "الماضي" «ولكن بوصفهما معاً مجرّد مشروعين: مشروع الثورة التي لم تتحقق بعد, و مشروع التراث الذي سيُعاد بناؤه بالشكل الذي يجعله يقوم بدوره في همز الثورة و تأصيلها»11. إنها علاقة جدلية بين "الثورة" و "التراث". فعلى «"الثورة" –يقول الجابري- أن تعيد بناء التراث, و مطلوب من "التراث" أن يساعد على إنجاز الثورة...»12.
          يجد الجابري هذا التيار المتبنِّي للمنهج الجدلي يدور في حلقات مفرغة, ذلك أنه أخذ "المنهج الجدلي" كمنهج "مطبّق", لا كمنهج "للتطبيق", «و كأنَّ الهدف [عندهم] هو البرهنة على صحّة "المنهج المطبق" لا تطبيق المنهـج».   و هذا ما يفسِّر قلة إنتاج هذه «القراءة و ضعف مردوديتها»13.
          نستنتج من هذه القراءات الثلاث ما يلي:
       كل هذه القراءات الثلاث "للتراث" يحكمها و يُؤسسها "الفعل العقلي" اللاشعوري.
       إن النقد العلمي للعقل العربي هو الطريق إلى قيام علمية واعية "للتراث". و إذا ما تمَّ إغفال الأساس المعرفي فهو نقد "إيديولوجي" للإيديولوجيا.
         ما يجمع بين هذه القراءات الثلاث, من الناحية الإيبستيمولوجية, هو أنها تقع تحت طائلة آفتين: آفة في المنهج, حيث أن هذه القراءات تفتقد إلى الحدّ الأدنى من الموضوعية. ثم آفة في الرؤية, لأن هذه القراءات تعاني من غياب النظرة التاريخية. وهذا ما جعل مجمل هذه القراءات تذوب فيها الذات في الموضوع, و ينوب الموضوع عن الذات14.
         «القراءات الثلاث(...) لا تختلف جوهريا عن بعضها بعضاً, من الناحية
الإيبستيمولوجية, لأنها مؤسسة فعلاً على طريقة واحدة في التفكير, الطريقة التي سماها الباحثون العرب القدامى بـ"قياس الغائب على الشاهد" (...) و الغائب        هنا هو "المستقبل" كما ينشده و يتصوره كل من هذه الإتجاهات»15. أما الشاهد فهو عند "السلفية الدينية" "الماضي", أما عند "السلفية الإستشراقية"  هو "المنهج الجدلي" الماركسي. إن هذا الأمر لا يعني أن الجابري يرفض طريقة "قياس الغائب عل الشاهد", بل إنه «طريقة علمية, ما في ذلك شك, و لكن شريطة التقيد بشروط صحتها»16. و منها "السبر و التقسيم".
       إلغاء الزمن والتطور في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية (لا تاريخية الفكر العربي).
       عدم فصل الذات عن الموضوع و الموضوع عن الذات, مما أدّى إلى غياب الموضوعية و المعقولية في الفكر العربي.
       تقديس الماضي و استمداد الحلول الجاهزة منه لمشاكل الحاضر و المستقبل, و بالتالي اقتباس مشروع النهضة منه؛ «إما الماضي العربي الإسلامي  و إما الماضي-الحاضر الأوربي, و إما التجربة الروسية أو الصينية أو... و القائمة طويلة»17.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق