الاثنين، 3 مارس، 2014

السيرة منذ البعثة حتى الهجرة إلى الحبشة



السيرة منذ البعثة حتى الهجرة إلى الحبشة
في هذه الفترة تثبت لنا الوقائع التاريخية التالية :
1 -نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم مستحياً : لما تم للنبي صلى الله عليه وسلم مستحياً أربعون سنة . نزل عليه جبريل بالوحي في يوم الاثنين لسبع عشر من رمضان، ويحدثنا الإمام البخاري رضي الله عنه في " صحيحه " بالسند المتصل إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن كيفية نزول الوحي عليه ، فتقول :
" أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم مستحياً الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه ، وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة ، فيتزود لمثلها ، حتى جاء الحق وهو في غار حراء ن فجاءه الملك فقال له : إقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : إقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : إقرأ فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني فقال : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنء عَلَقٍ اقْرَأ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ، الذِي عَلَّمَ بِالقَلَم ، عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْللَمْ ) [ العلق : 1ـ6 ] ، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، فقال : زملوني ، زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا والله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فالنطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ،وكان ابن عم خديجة ، وكان أمرءاً تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الانجيل بالغبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخاً كبيراً قد عمي ، فقالت له خديجة : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس ـ صاحب الوحي وهو جبريل ـ الذي نزل على موسى ، ياليتني فيها جذعاً ـ شاباً ـ ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مخرجي هم ؟ قال : نعم ، يأت رجل ق يمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي " .
وفي رواية ابن هشام عن ابن إسحاق : أن جبريل جاءه وهو نائم في غار حراء بنمط وعاء من ديباج فيه كتاب ، فقال ، اقرأ .. الخ قال : فقرأتها ، ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي ، فكأنما كتبت في قلبي كتاباً ، قال : فخرجت حتى إذا كانت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله ، وأنا جبريل ، قال : فرفعت رأسي إلى السماء أنظر . فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله ، وأنا جبريل ، قال : فوقفت أنظر إليه ، فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رايته كذلك ، فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي ، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي .. الخ .
2- كان أول من آمن به ودخل في الإسلام زوجة خديجة رضي الله عنها ، ثم أبن عمه علي رضي الله عنه وهو أبن عشر سنين ، ثم مولاه زيد بن حارثة ، ثم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وكان اول من أسلم من العبيد بلال بن أبي رباح الحبشي وعلى ذلك تكون خديجة أول من آمن به إطلاقاً ، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معها آخر يوم الاثنين وهو أول يوم من صلاته ، وكان الصلاة ركعتين بالغداة ، وركعتين بالعشي .
3 - ثم فتر الوحي بعد ذلك فترة من الزمن اختلف الروايات في تقديرها ، فأقصاها ثلاث سنوات ، وأدناها ستة أشهر وهو الصحيح .
وقد شق انقطاع الوحي على الرسول صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،وأحزنه ذلك كثيراً ، حتى كاد يخرج إلى الجبال فيهم بأن يتردى من رؤوسها ، ظنا منه أن الله قلاه بعد أن أختاره لشرف الرسالة ، ثم عاد الوحي إليه بعد ذلك كما يروي الإمام البخاري في " صحيحه " عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما أناأمشي إذا سمعت صوتاً من السماء ، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرعبت منه ، فرجعت فقلت : زمولني ، فأنزل الله تعالى : ( يَا أيُّهَا المُدَّثِر ، قُمْ فَأنذِر ) إلى قوله : ( وَالرِّجْزَ فَاهْجُر ) فحمي الوحي وتتابع .
4- بدأ رسول الله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يدعو إلى الإسلام من وثق بعقله ثلاث سنوات كاملة ، حتى اسلم عدد من الرجال والنساء ممن عرفوا برحجان الرأي وسلامة النفس .
5- أمر الله رسوله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بلغ عدد الداخلية في الاسلام نحواً من ثلاثين أن يبلغ الدعوة جهراً ، وذلك في قوله تعالى: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ وَأعْرِضْ عَنْ المُشْرِكِين ) [ الحجر : 94 ] .
 6 - ابتدأت بذلك مرحلة الإيذاء للمؤمنين الجدد ولرسول الله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد هال المشركين أن يسفه الرسول احلامهم ، ويعيب آلهتم ن ويأتيهم بدين جديد يدعو إلى إله واحد لا تدركه العيون والأبصار ، وهو يدرك الأبصار ،وهو اللطيف الخبير .
7- كان الرسول صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة يجتمع بالمؤمنين سراً في دار الأرقم بن أبي الأرقم الذي دخل في الإسلام أيضاً ، وكان الرسول يتلو عليهم ما ينزل عليه من آيات القرآن الكريم ، ويعلمهم من أحكام الدين وشرائعه ما كان ينزل حينئذ .
8 - أمر الرسول صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بأن ينذر عشيرته الأقربين . فوقف على الصفا ن ونادى بطون قريش بطناً بطناً . ودعاهم إلى الإسلام ، وترك عبادة الأوثان ، ورغبهم في الجنة ، وحذرهم في النار ، فقال له أبو لهب : تباً لك ، ألهذا جمعتنا ؟
9- رغبت قريش في أن تنال من الرسول ، فحماه عمه أبو طالب ، وامتنع عن تسليمه اليهم ، ثم طلب بعد ذهابهم أن يخفف من دعوته ، فظن أن عمه خاذله ، فقال كملته المشهورة :" والله لو وضعوا الشمس في يمني ، والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر حتى يظهره الله أن أهلك دونه ، ما تركته ".
10- إشتد أذى المشركين بعد ذلك للرسول وصحابته ، حتى مات منهم من مات تحت العذاب ، وعمي من عمي .
 11- لما رأت ثبات المؤمنين على عقيدتهم ، قررت مفاوضة الرسول على أن تعطيه من المال ما يشاء ، أو تملكه عليها ، فأبى ذلك كله .
12- لما رأى الرسول تعنت قريش واستمرارها في تغذيب أصحابه ، قال لهم : " لو خرجتم إلى أرض الحبشة ، فإن فيها ملكاً لا يظلم أحداً عنده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه " فهاجروا للمرة الأول أثنا عشر رجلا ، وأربع نسوة ، ثم عادوا بعد أن علموا باسلام عمر وإظهار الاسلام ، لكنهم ما لبثوا أن عادوا ومعهم آخرون من المؤمنين ، وقد بلغ عددهم في الهجرة الثانية إلى الحبشة ثلاثة وثمانين رجلاً ، ومن النساء إحدى عشرة .
13- مقاطعة المشركين لرسول الله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب أن لا يبايعوهم ، ولا يناكحوهم ، ولا يخالطوهم ، ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً ، واستمرت المقاطعة سنتين أو ثلاثاً ، لقي فيها الرسول ومن معه في هذه المقاطعة جهداً شديداً ، ثم انتهت المقاطعة بمسعى عقلاء قريش .
ب ـ الدروس والعظات
1- إن الله إذا أراد لعبد أن يوجهه لدعوة الخير والإصلاح القى في قلبه كره ما عليه مجتمعه من ضلال وفساد .
2- إن محمداً عليه الصلاة والسلام لم يكن يستشر للنبوة ولا يحلم بها ، وإنما كان يلهمه الله الخلوة للعبادة تظهيراً ، وإعداداً روحياً لنحمل أعباء الرسالة ، ولم كان عليه الصلاة والسلام يستشر للنبوة ، لما فزع من نزول الوحي عليه ، ولما نزل إلى خديجة يستفسرها عن سر تلك الظاهرة التي رآها في غار حراء ، ولم يتأكد من أنه رسول الا بعد رؤية حبريل يقول له : يا محمد أنت رسول الله ، وأنا جبريل ، وإلا بعد أن أكد له ولخديجة ، ورقة بن نوفل أن ما رآه الغار هو الوحي الذي كان ينزل على موسى عليه الصلاة والسلام .
3- إن دعوة الإصلاح إذا كانت غريبة على معتقدات لجمهور وعقليته ، ينبغي أن لا يجهر بها الداعية حتى يؤمن بها عدد يضحون في سبيلها بالغالي والرخيص ، حتى أذا نال صاحب الدعوة أذى ، قام أتباعه المؤمنون بدعوته بواجب الدعوة ، فيضمن بذلك استمرارها .
4- إن رسول الله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فاجأ العرب بمالم يكونوا يألفونه، وقد استنكروا دعوته أشد الاستنكار ، وكان كل همهم القضاء عليه وعلى أصحابه ، فكان ذلك رداً تاريخياً على بعض دعاة القومية الذين زعموا أن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما كان يمثل في رسالته آمال العرب ومطامحهم حينذاك ، وهو زغم مضحك ترده وقائع التاريخ الثابتة كما رأينا . وما حمل هذا القائل وأمثاله على هذا القول إلا الغلو في دعوى القومية وجعل الاسلام امراً منيثقاً من ذاتيه العرب وتفكيرهم ، وهذا إنكار واضح لنبوة الرسول وخفض عظيم لرسالة الاسلام .
5- إن ثبات المؤمنين على عقيدتهم بعد أن ينزل بهم الأشرار والضالون أنواع العذاب والاضطهاد ، دليل على صدق إيمانهم وإخلاصهم في معتقداتهم ، وسمو نفوسهم وأرواحهم ، بحيث يرون ما هم عليه من راحة الضمير واطمئنان النفس والعقل ،وما يأملونه من رضى الله جل شأنه أعظم بكثير مما ينال أجسادهم من تعذيب وحرمان وأضظهاد .
إن السيطرة في المؤمنين الصادقين والدعاة المخلصين ، تكون دائما وأبداً لأرواحهم لا لأجسامهم ، وهم يسرعون على تلبية مطالب أرواحهم من حيث لا يبالون بما تتطلبه جسومهم من راحة وشبع ولذة ، بهذا تنتصر الدعوات ، وبهذا تتحرر الجماهير من الظلمات والجهالات .
6- إن في قوم الرسول صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك القول لعمه ابي طالب ، وفي رفضه ما عرضته عليه قريش من مال وملك ، دليل على صدقه في دعوى الرسالة ن وحرصه على هداية الناس ، وكذلك ينبغي أن يكون الداعية مصمماً على الاستمرار في دعوته مهما تألب عليه المبطلون ، معرضاً عن إغراء المبطلين بالجاه والمناصب ، فالمتاعب في سبيل الحق لدى المؤمنين راحة لضمائرهم وقلوبهم . ورضي الله وجنته أعز وأغلى عندهم من كل مناصب الدنيا وجاهها وأموالها .
7- إن على الداعية أن يجتمع بأنصاره على فترات في كل نهار أو أسبوع ، ليزيدهم إيماناً بدعوتهم ، وليعلمهم طرقها وأساليبها وآدابها ، وإذا خشي على نفسه وجماعته من الاجتماع بهم علناً وجب عليه أن يكون اجتماعه بهم سراً لئلا يجمع المبطلون أمرهم فيقضوا عليهم جميعاً ، أو يزدادوا في تغذيبهم وأضطهادهم .
 8- إن على الداعية أن يهتم بأقرابائهم ، فيبلغهم دعوة الأصلاح ، فإذا أعرضوا ، كان له عذر أمام الله والناس عماهم عليه من فساد وضلال .
9- إن على الداعية إذا وجد جماعته في خطر على حياتهم أو معتقداتهم من الفتنة ، أن يهيئ لهم مكاناً يأمنون فيه من عدوان المبطلين ، ولا ينافي ذك ما يجب على دعاة الحق من تضحية ، فإنهم إذا كانوا قلة استطاع المبطلون أن يقضوا عليهم قضاءاً مبرعاً ، فيتخلصوا من دعوتهم ، وفي وجودهم في مكان آمن ضمان لاستمرار الدعوة وانشارها .
10- إن في أمر الرسول أصحابه أولاً وثانياً بالهجرة إلى الحبشة ، ما يدل على أن رابطة الدين بين المتدينين ولو اختلفت دياناتهم هي أقوى وأوثق من رابطتهم مع الوثنين والملحدين ، فالديانات السماوية في مصدرها وأصولها الصحيحة متفقة في الأهداف الاجتماعية الكبرى ، كما هي متفقة في الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر ، وهذا ما يجعل وشائج القربى بينما أوثق من أية وشيجة من قرابة أو دم أو موطن مع الإلحاد والوثنية والكفر بشرائع الله .
11 - إن المبطلين لا يستسلمون أمام أهل الحق بسهولة ويسر ، فهم كلما أخففت لهم سيلة من وسائل المقاومة والقضاء على دعوة الحق ، ابتكروا وسائل أخرى ، وهكذا حتى ينتصر الحق انتصاره النهائي وبلفظ الباطل أنفاسه الأخيرة .
المصدر: السيرة النبوية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق