الخميس، 26 ديسمبر، 2013

خصائص المجتمع المسلم



ـ خصائص المجتمع المسلم: للمجتمع المسلم خصائص وصفات عدة:
منها: أنه مجتمع سياسي: حيث كل فردٍ ـ كان ذكراً أم أنثى، كان حاكماً أم محكوماً ـ من أفراد المجتمع المسلم هو سياسي، ويمارس العمل السياسي، بحسبه، وحسب موقعه، كما قال تعالى:) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ (؛ كل المؤمنين والمؤمنات من دون استثناء لأحدٍ منهم ) بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ (؛ شامل لكل معروف، وكل خير، سواء كان هذا الخير له علاقة بالجانب السياسي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو العقائدي، أو الأخلاقي التربوي، أو التعبدي ) وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (التوبة:71. شامل لكل منكر؛ المنكر السياسي، والمنكر الاقتصادي، والمنكر الاجتماعي، والمنكر العقائدي والثقافي، والمنكر التعبدي وغيره .. فهذا المعروف بكل جوانبه المتعددة .. المؤمنون والمؤمنات ـ كل المؤمنين والمؤمنات ـ يأمرون به .. وهذا المنكر والشر بكل جوانبه ومعانيه الآنفة الذكر .. المؤمنون والمؤمنات ـ كل المؤمنين والمؤمنات ـ ينهون عنه .. ويُشاركون في النهي عنه .. وكل بحسبه[[1]].
ونحو ذلك، قوله تعالى:) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج:41. إذ بعد التمكين ـ للمؤمنين والمؤمنات ـ تتوسع دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب وعلى قدر التمكين والقدرة .. وهذا يتضمن العمل السياسي تضمناً كلياً .. إذ العمل السياسي ـ السلبي منه أو الإيجابي ـ لا يمكن أن يخرج عن دائرة ومهام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:" ألا كلُّكُم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته " متفق عليه. أي كلكم ـ من غير استثناء رجالاً ونساءً ـ قائد، وسياسي، له رعيته التي يرعاها ويسوسها ـ بحسبه وحسب موقعه ووظيفته ـ وكلكم مسؤول عن رعيته ممن هم تحته؛ هل قادهم وساسهم بالحق، أم قادهم وساسهم بالباطل .. وهل أحاطهم بالنصح والرعاية، والرفق، والحماية، وعمل فيهم بقانون العدل .. أم كان خلاف ذلك؟!
       وقال r:" من رأى منكم مُنكراً فليغيرْهُ بيدِه، فإن لم يستطِعُ فبلسانِه، فإن لم يَستطِع فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان " مسلم. وقوله r:" من رأى منكم "؛ عام لجميع المسلمين، رجالاً ونساءً .. فمن رأى منكم " منكراً "؛ أياً كان هذا المنكر؛ كان منكراً سياسياً، أم منكراً اقتصادياً، أم منكراً اجتماعياً، أم منكراً أخلاقياً ... " فليغيره " بحسب استطاعته؛ إما بيده إن كان قادراً على استخدام اليد والقوة، وكان المنكر يستدعي استخدام القوة .. " فإن لم يستطِعُ فبلسانِه، فإن لم يَستطِع فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان "، وليس وراء إنكار المنكر بالقلب إيمان؛ لأنه ليس وراء إنكار القلب رغبة في التغيير .. إذ ليس وراء إنكار القلب للمنكر سوى الرضى بالمنكر.
       وعن عبادة بن الصامت، قال:" بايعَنَا رسولُ الله على أن نقولَ بالحقِّ أينما كُنَّا لا نخافُ في اللهِ لومةَ لائم " متفق عليه. وهذا القول والصدع بالحق .. قد يكون متعلقاً بالسياسة وأغراضها .. والسَّاسة وأعمالهم .. فهم ـ وسياساتهم ـ غير مستثنين من أن يُقال لهم الحق .. وأن يُقال لمن أحسن منهم قد أحسنت، ولمن أساء منهم قد أسأت، كما في الحديث:" واشهدوا على المحسن بأنه محسن، وعلى المسيء بأنه مسيء ".     
       وقال r:" سيِّدُ الشُّهداء حمزةُ بنُ عبدِ المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاهُ فقتَلَهُ "[[2]]. وهذا عمل سياسي وفق كل المقاييس، ويدخل في معنى العمل السياسي دخولاً كلياً .. وقد عد من يصدع بالحق في وجه الحاكم؛ فيأمره بالمعروف والخير، وينهاه عن المنكر والشر .. ثم أن الحاكم يقتله من أجل ذلك فهو مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب t.          
       ونحوه قوله r:" أفضلُ الجهادِ كلمَةُ حَقٍّ عندَ سُلطانٍ جائرٍ "[[3]]. وهذا عمل سياسي أيضاً .. قد صنفه النبي r على أنه من الجهاد بل وأفضل الجهاد.
       وقال r:" إنَّ الدينَ النَّصيحةُ، إنَّ الدينَ النصيحةُ، إنَّ الدينَ النَّصيحةُ "، قالوا: لمن يا رسولَ الله؟ قال:" لله، وكتابِه، ورسولِه، وأئمَّةِ المؤمنين وعامَّتهِم، وأئِمَّةِ المسلمين وعامَّتِهم " مسلم. والعمل السياسي يدخل دخولاً كلياً في معنى النصيحة الواجبة لأئمة المسلمين وعامتهم.
       وغيرها كثير من النصوص والأحاديث النبوية التي تدلل على أن العمل السياسي من خصوصيات المجتمع المسلم، ومن مهام كل مسلم ولا بد، إذ لا بد لكل مسلم من أن يهتم لهموم ومشاكل ومصابات المسلمين العامة منها والخاصة؛ السياسية منها وغير السياسية .. فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، كما في الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:" المؤمنُ من أهلِ الإيمان بمنزلة الرأسِ من الجسد، يألَمُ المؤمنُ لما يُصيبُ أهلَ الإيمان، كما يألَمُ الرأسُ لما يصيبُ الجسدَ "[[4]]. ولا يجوز أن يكون إلا كذلك.
       وقال r:" ترى المؤمنين في تراحُمِهم وتوادِّهم، وتعاطُفِهم، كمثلِ الجسدِ إذا اشتكى عضواً، تداعى لهُ سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى " متفق عليه. فإذا كانت هذه المعاني الضخمة والعظيمة والنبيلة التي أشارت إليها الأحاديث النبوية الآنفة الذكر لا تدخل في معنى السياسة والعمل السياسي دخولاً كلياً .. فماذا تكون السياسة، وكيف يكون ويمارس العمل السياسي؟!
       خلاصة القول: لا يوجد في المجتمع المسلم فرد ـ يقول ربي الله، ويدين للإسلام بالولاء والانتماء ـ غير سياسي .. وغير مكترس بالسياسة .. حتى لو لم يعترف بأنه سياسي، أو أنه يُمارس السياسة، أو يُحب السياسة .. فهو سياسي جلد شاء أم أبى!
       لا يوجد في المجتمع المسلم ما يُسمَّى بـ " رجل الدين "، المنفصل عن واقعه، وأمته، وما يجري لها من أحداث .. والذي يحرَّم عليه العمل السياسي .. تحت زعم أن رجل دين ينبغي أن تقتصر مهامه واهتماماته على علاقة النفس الآدمية بخالقها وحسب بعيداً عن ميادين الحياة ومعاملاتها .. وزعم أن الدين لا يجوز إقحامه في ميادين السياسة والحكم والحياة .. فهذا إن جاز وجوده في المجتمعات النصرانية العلمانية التي تفصل الدين عن الحياة لاعتبارات خاصة بها .. لا يجوز افتراض وجوده في المجتمع المسلم، الذي يجعل الحياة ـ بجميع ميادينها ـ جزءاً هاماً وأساسياً من الدين .. وميداناً له ولتطبيقاته .. وساحة اختبار وعمل يترتب عليه وعد ووعيد .. كما قال تعالى:) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (الملك:2. أي أيكم أخلص وأصوب عملاً.
       ونحوه قوله تعالى:) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (الكهف:7. وقال تعالى:) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (المؤمنون:115. أي عبثاً من غير غاية ولا هدف، ولا تكليف، ومن دون أن نتعبدكم بالأمر والنهي .. ثم ننظر ماذا تفعلون .. فهذا لا ينبغي ولا يليق بجلال الخالق سبحانه وتعالى:) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (المؤمنون:116. فالله تعالى منزه عن العبث .. أو أن يخلق شيئاً عبثاً من غير غاية ولا حكمة.
       ومنها: أنه مجتمع عصي على العلمانيّة والعَلْمَنة[[5]]: فهو ليس كالمجتمعات النصرانية التي حكمتها الكنيسة دهراً من الزمن، فلم تجد طريقها للتقدم، والحرية العلمية، والفكاك من أسر وأغلال التخلف والجهل والظلم .. إلا بإعلان التحرر من الكنيسة ودينها وأغلالها .. والانطلاق بعيداً عن قيودها وأحكامها .. والمجتمع المسلم ليس كذلك، وهو غير مضطر لهذه الخطوة أو المواجهة مع الدين الإسلامي .. فالإسلام ومجتمعاته منيعة وعصية على العلمانية والعلمنة، وذلك لأسباب عدة:
       منها: أن الإسلام لا يتعارض مع العلم .. ولم يكن يوماً عقبة في طريق العلم والإبداع واكتشافاته .. بل هو دين يُصدِّق العلم، والعلم يُصدِّقه .. لذا فهو يحض على العلم والتعلم .. العلم التجريبي، والعمل معاً، ويُطلق يد الإنسان لتعمل بأقصى طاقتها في الاكتشاف والإبداع، والازدهار، والتقدم العلمي .. والآيات القرآنية التي تأمر وتحض الإنسان على النظر في السماوات والأرض، والنفس البشرية .. وما أودع الله فيها من آيات، وعوالم عظيمة ودقيقة .. وعلى اكتشاف ما أودع الله في الأرض من كنوز وخيرات .. ومن ثم العمل على إعداد القوة بكل مجالاتها وأنواعها .. كثيرة جداً لو أردنا الإحصاء .. وبالتالي فالإسلام ليست عنده مشكلة مع مجتمعاته من هذا الوجه .. كما هو الحال مع النصرانية والكنيسة في مجتمعاتها!  
       ومنها: أن الإسلام دين دولة، وحكم، وسياسة، وحياة .. دين يرسم التعاليم والمناهج والشرائع الشاملة والدقيقة للأفراد، والجماعات، والدول، والحكومات، والأمم معاً .. وبالتالي أيما محاولة لفصل الإسلام كدين عن الدولة والحكم والسياسة والحياة العامة والخاصة سواء .. فهو من جهة خروج من الدين وعلى تعاليمه ومبادئه، وعقيدته .. وتكذيب ورد لنصوصه المحكمة وتوجيهاته .. ومن جهة ثانية فإن من يفعل ذلك مع الإسلام وأهله، فمثله مثل من يُحاول أن ينتزع سمكة من مياهها .. ثم يلزمها أن تعيش على رمال الصحراء .. وهذا غير ممكن!
       ومنها: أن كل مسلم ـ بحكم تدينه بالإسلام ـ هو سياسي محترف، من الدرجة الأولى ـ كما تقدم ـ وهو كما أنه يعبد الله تعالى من جهة النسك والشعائر التعبدية، كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة .. ويعبد الله من جهة الشعور والاعتقاد .. فهو كذلك يعبد الله تعالى من جهة ممارسته ومعايشته للسياسة الشرعية، إذ لا يمكن إلا أن يكون كذلك؛ فهو رجل دين ودنيا، ودولة، واقتصاد، وسياسة معاً .. كما يعبد الله تعالى في المساجد .. يعبده سبحانه وتعالى في بقية ميادين العمل والحياة، كما قال تعالى:) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الأنعام:162. فكما أن الصلاة والنُسك لله رب العالمين .. كذلك الحياة؛ كل الحياة حتّى الممات لله رب العالمين .. وبالتالي عندما يُلزَم المسلم ـ باسم العلمنة والعلمانية ـ بأن يتخلى عن السياسة والعمل السياسي أو أن يفصل السياسة عن دينه وعقيدته الإسلامية .. فهو حينئذٍ كمن يُلزمه بأن يتخلى عن دينه، وعقيدته، وأن يكفر بالله، وآياته، ورسله .. وهذا غير ممكنٍ .. فالمسلم أن يُقذف في النار ألف مرة أهون عليه من أن يترك دينه، أو أن يتخلى عنه لدعوات جاهلية وضعية وافدة إلينا من الشرق أو الغرب، شرها يغلب خيرها، بل لا خير فيها البتَّة .. قال تعالى:) أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة:85.
       فمن تذوق حلاوة الإسلام، وخيره، وجماله .. وعرف حقيقته .. لم يعد يرضى بدينٍ له غير دين الإسلام .. سواء كان هذا الدين له أصول سماوية سابقة، أو كان ديناً وضعياً كله من صنيع البشر؛ كالعلمانية، والليبرالية والديمقراطية، والاشتراكية، وغيرها من المذاهب الوضعية!
       لذا أقول: لا سوق ولا حياة للعلمانية ـ تلك النبتة الخبيثة ـ في المجتمعات الإسلامية .. وهي لو دخلت على حين غفلة من أهلها ـ بقوة وسلاح أصحابها ودعاتها ـ سرعان ما تُلفَظ، وتُستهجن، وترفض، كما يرفض الجسد السليم أي جرثومة غريبة تتسلل إلى باطنه، ودمه. 
       ولما حاول العدو، عن طريق عملائهم وأذنابهم من بني جلدتنا ممن يتكلمون بألسنتنا ـ بينما قلوبهم مع أعداء الأمة ـ أن يفرضوا العلمانية على المسلمين ومجتمعاتهم بالقوة .. بالترغيب حيناً والترهيب حيناً آخر .. وأوجدوا للعلمانية سوقها في بلادنا، وأنظمتها الحاكمة التي تحكم بها وباسمها .. فإنهم بذلك .. ومن ذلك الوقت .. أوجدوا هذا الشرخ الكبير .. والصراع الدائر ـ القديم والمتجدد ـ بين الشعوب المسلمة من وجه .. وبين الأنظمة العلمانية العميلة الحاكمة من وجه آخر .. الأنظمة العلمانية الديكتاتورية والديمقراطية سواء .. وسر هذا الصراع كما أسلفنا أن العلمانية جسد غريب ـ شكلاً ومضموناً ومصدراً ـ لا يمكن أن يستقر لها دار أو قرار في دار الإسلام ـ ما دام كتاب الله يُتلى على مسامع المسلمين ـ كما وجدت لها داراً، ومُستقراً، ومستساغاً في بلاد الغرب النصراني.
       قال تعالى:) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة:50. وقال تعالى:) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (آل عمران:19. ) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران:85.
       ومنها: أنه مجتمع لا يقبل الشِّرك، والأرباب والأنداد: المجتمع المسلم يمكن أن يتفاعل مع أي فكرة وافدة إليه فيها شيء من الخير .. فينظر الوجه الحسن منها فيأخذه وينميه .. وينظر الوجه الخاطئ والسيء منها فيرده، ويحذر منه .. فالحق ضالة المؤمن أينما وجده أخذه وعمل به، وكان الأحق والأولى به، كما قال تعالى:) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (الزمر:18. فنستمع للقول، وننظر فيه .. فنأخذ أحسن ما فيه .. ونرد ما سواه .. إلا الشّرك ـ الذي يُساوي بين الخالق والمخلوق، وفي بعض صوره يُعلي المخلوق فوق الخالق، ويصرف للمخلوق ما لا يجوز صرفه إلا للخالق سبحانه وتعالى، فيعبّد العبيد للعبيد، ويُفرز للمجتمعات والناس آلهة وأرباباً وأصناماً من العبيد ما أنزل الله بها من سلطان ـ فإنه مرفوض كلياً؛ جملة وتفصيلاً .. لا يمكن للمجتمع المسلم أن يتعاطى معه في أي وجه من الوجوه، إلا على وجه واحد؛ وهو الرفض والاستهجان والمحاربة .. من أي جهة جاء هذا الشرك، وتحت أي عنوان أو راية استظل ووقف .. وذلك لسببين:
       أولهما: لأنه شرٌّ أكبر .. ظلم أكبر يناقض الإيمان والإسلام من جميع الوجوه ـ لا خير فيه البتّة ـ ويخرج المجتمع من صفته الإسلامية إلى صفته الجاهلية .. كما قال تعالى:) إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان:13. وقال تعالى:) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً (النساء:116. وقال تعالى:) إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (المائدة:72. وقال تعالى:) وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (الحج:31. وقال تعالى:) وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (الأنعام:88. وغيرها من الآيات.
       ثانيهما: لأنه ـ أي الشرك ـ قائم على استعباد العبيد، وتعبيد العبيد للعبيد .. وفرض أربابٍ وأصنام ـ على الناس ـ تُصرف لها العبادة والطاعة والانقياد من دون الله .. قد تكون هذه الأصنام من حجر، وقد تكون من شجر، وقد تكون من بشر .. لا فرق بينها ما دامت تُعبَد من دون الله، وتُطاع من دون الله أو مع الله .. ويُحمل الناس حملاً ـ بالترهيب تارة، وتارة أخرى بالترغيب ـ على تمجيدها وتقديسها وصرف العبادة لها من دون الله .. وهذا ما تأنفه وتأباه النفوس الحرة الكريمة المؤمنة .. التي تنشد الحرية والتحرر من الطغاة، ومطلق العبودية للعبيد والأصنام .. قال تعالى:) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ (التوبة:31. وذلك عندما ارتضوا الأحبارَ والرهبانَ أن يكونوا لهم مصدراً للتشريع، والتحليل، والتحريم، والتحسين، والتقبيح من دون الله ..!
       وقال تعالى:) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ (آل عمران:64. إذ لا يمكن أن نزعم أننا أحراراً .. وأننا ندعو إلى تحرير الشعوب والمجتمعات من الذل، والعبودية للطغاة والعبيد .. ثم نحن في نفس الوقت نرضى أن يتخذ بعضناً بعضاً أرباباً من دون الله .. نتخذ لأنفسنا ومجتمعاتنا أرباباً ـ من أنفسنا أو من غيرنا ـ يُشرعون، ويحللون، ويُحرمون من دون الله .. ثم ـ في نفس الوقت ـ نزعم أننا أحراراً .. وأننا ندعو للحرية والتحرر من قيود وسلاسل العبودية للطغاة والعبيد .. فهذا الزعم وذاك الوصف لا يجتمعان أبدا!
       ومنها: أنه مجتمع متكافل متماسك اجتماعياً: فالقوي يرحم الضعيف وينصره .. والغني يعطف على الفقير، ويتصدق عليه .. والجار يُحسِن إلى جاره، ويعرف له حقوقه .. والميسور يمشي في حاجة المعسور والمكروب .. والصحيح يعود المريض .. والصغير يحترم الكبير، والكبير يعطف على الصغير .. والرحم فيه متواصل متكافل من غير انقطاع ولا تدابر .. وهذه من أبرز صفات المجتمع المسلم، التي يتمايز بها عن غيره من المجتمعات .. والتي هي من جملة الأسباب التي تعين على بسط العدل والخير والأمن والأمان والتكافل بين الناس.
قال تعالى:) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات:10.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي r أنه قال:" للمؤمِن على المؤمن ستُّ خِصالٍ: يعودُه إذا مرضَ، ويشهَدُه إذا مات، ويُجيبُه إذا دعاه، ويُسلِّم عليه إذا لقيَه، ويُشمِّتُه إذا عطَسَ، ويَنصحَ له إذا غاب أو شَهِد "مسلم. ومن النصيحة له أن تريد له الخير، وأن تعينه عليه .. وتدفع عنه الأذى والضرر، في حضرته وغيبته سواء.
وقال r:" مَن ردَّ عن عِرضِ أخيه، ردَّ اللهُ عن وجهِه النارَ يومَ القيامةِ "[[6]].
وقال r:" المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخو المؤمِن، يكفُّ عليه ضَيعَتَهُ[[7]]، ويحوطُه[[8]] من ورائه "[[9]].
وقال r:" ما من امرئٍ يَخذُلُ امرءاً مسلماً في موطنٍ يُنتقصُ فيه عِرضُه، ويُنتهكُ فيه من حُرمَتِه، إلا خذَلَه اللهُ تعالى في موطنٍ يُحبُّ فيه نصرَتَهُ، وما مِن أحدٍ ينصرُ مُسلماً في موطنٍ يُنتقَصُ فيه من عِرضهِ، ويُنتهكُ فيه من حُرمتِه، إلا نصرَهُ اللهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نصرتَهُ "[[10]].
وقال r:" والذي نفسي بيده لا يؤمنُ عبدٌ حتى يُحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه " متفق عليه.
وقال r:" المؤمنُ من أهلِ الإيمان بمنزلة الرأسِ من الجسد، يألَمُ المؤمنُ لما يُصيبُ أهلَ الإيمان، كما يألَمُ الرأسُ لما يصيبُ الجسدَ "[[11]].
وقال r:" ترى المؤمنين في تراحُمِهم وتوادِّهم، وتعاطُفِهم، كمثلِ الجسدِ إذا اشتكى عضواً تداعى لهُ سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى " متفق عليه.
وقال r:" المؤمنون كرجلٍ واحدٍ، إذا اشتكى رأسَهُ اشتكى كلُّه، وإن اشتكى عينَهُ اشتكى كلُّه " مسلم.
وقال r:" مَن نَفَّسَ عن مُسلِمٍ كُربَةً من كُرَب الدنيا، نفَّسَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ الآخرةِ، ومَن سَترَ على مسلمٍ ستره الله في الدُّنيا والآخرِة، واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه "[[12]].
وقال r:" المسلمُ أخو المسلمِ لا يَظلِمهُ ولا يُسْلِمه[[13]]، ومن كان في حاجةِ أخيه، كان اللهُ في حاجته، ومن فرَّج عن مسلمٍٍ كُربةً فرَّجَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامة، ومن سَترَ مُسلماً سَترهُ اللهُ يومَ القيامة " متفق عليه.
وقال r:" أحبُّ الناس إلى اللهِ أنفَعُهم، وأحبَّ الأعمال إلى الله U سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، أو تَكشُفَ عنه كربةً، أو تقضي عنه ديناً، أو تَطرُدَ عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجةٍ أحبَّ إلي من أن أعتكِفَ في المسجد شَهراً، ومن كفَّ غضبَه سترَ اللهُ عورتَه، ومن كظَمَ غيظاً، ولوشاء أن يُمضيَه أمضاه، ملأ اللهُ قلبَه رِضىً يومَ القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجةٍ حتى يُثبِتَها له، أثبتَ اللهُ تعالى قدَمَه يومَ تزِلُّ الأقدامُ، وإنَّ سوءَ الخلقِ ليفسِدَ العملَ كما يُفسِدُ الخلُّ العسلَ "[[14]].
وقال r:" من أفضلِ الأعمالِ إدخالُ السرورِ على المؤمنِ؛ تقضي عنه ديناً، تقضي له حاجةً، تنفِّسَ له كُربةً ".
وقال r:" إنَّ لله أقواماً اختصَّهم بالنَّعمِ لمنافع العبادِ، يُقرُّهم فيها ما بذَلوها، فإذا مَنعُوها نزعَها منهم؛ فحوَّلها إلى غيرِهم "[[15]].
وقال r:" والذي نفسي بيده، لا يؤمنُ عبدٌ حتى يحبَّ لجاره ما يُحبُّ لنفسِه " مسلم.
وقال r:" من كان يُؤمن بالله واليومِ الآخر، فليُحسِن إلى جاره " متفق عليه.
وقال r:" ما آمن بي من باتَ شبعان وجارُه جائِعٌ إلى جنبه وهو يعلمُ به "[[16]]. 
وقال r:" كم من جارٍ متعلقٌ بجارِه يومَ القيامة، يقول: يا ربِّ! هذا أغلقَ بابَه دوني؛ فمنع معروفَه "[[17]].
وقال r:" واللهِ لا يُؤمِنُ، والله لا يُؤمن، والله لا يؤمن" قيل: مَن يا رسول الله؟ قال:" الذي لا يأمَنُ جارُه بوائِقَه"[[18]]. أي شرّه وأذاه .. وغيرها كثير من النصوص التي تحض على هذا التكافل والتآخي والتعاون فيم بين المسلمين .. وهو جانب هام جداً لا بد من تفعيله، والدعوة إليه، وتذكير الناس به وبأهميته .. إذا أرادوا أن يعيشوا في مجتمع آمن يسوده العدل، والتآخي، والحب، والتعاون على الخير .. إذ لا يكفي السياسة أن تعمل عملها، وتعطي عطاءها المنشود .. بعيدة عن هذا الجانب الهام أو من دونه!
الذي حملني على التذكير بهذا الجانب الهام الذي يمتاز به المجتمع المسلم عما سواه من المجتمعات .. ثلاثة أمور: أولها؛ حاجة الشعوب الماسة ـ وبخاصة ما بعد الثورات التي تشهدها المنطقة ـ إلى هذه المعاني والقيم الحضارية الراقية ـ بعد أن عاشت عقوداً على موائد وقيم الطغاة المستبدين ـ التي تجعل من المجتمع مجتمعاً متحضراً راقياً، تعين على تحقيق العدل، والأمن والرخاء بين الناس.
ثانيها؛ أن الدولة مهما كانت تتمتع بثروة طائلة .. وبخطط اقتصادية، وسياسية جيدة .. وبقيادة حكيمة .. لا يمكن لها منفردة ـ بعيداً عن تلك القيم والمعاني الحضارية الآنفة الذكر ـ أن تحقق العدالة والسعادة والأمن للناس .. لذا لا بد من الاهتمام بها وإحيائها من جديد .. كما يكون الاهتمام بالخطط الاقتصادية والسياسية، وأزود .. هذا إذا نشدنا وأردنا مجتمعاً تسود فيه العدالة الاجتماعية .. والسعادة .. والأمن والأمان.
ثالثها؛ أن المدنيّة المعاصرة الوافدة قد قتلت في الناس هذه المعاني النبيلة والعظيمة .. وغلَّبت في نفوسهم صفات الأنانية .. وحب النفس والذات .. بعيداً عن تلك المعاني الحضارية الراقية التكافلية الآنفة الذكر .. والتي تجعل سعادة الأخ مرهونة بسعادة أخيه .. وسعادة ورخاء وأمن الجار مرهون بسعادة ورخاء وأمن الجار المقابل له!
هذا المرض وللأسف قد انتقل إلى بلاد المسلمين .. عن طريق المنافقين المتغرّبين ـ والدعاة العلمانيين ـ المعجبين بالقيم الغربية على ما فيها من علل ونواقص .. حتى عُدَّت الدعوة إلى تلك القيم الحضارية الإيمانية ـ من قبل هؤلاء المنافقين المتفرنجين ـ نوع من الدروشة والمسكنة التي ينبغي أن يترفع عنها وعن ذكرها السّاسة، والقادة والمختصون .. وبسبب من عند هؤلاء المنافقين ـ الدعاة على أبواب جهنم ـ وما يملكونه من نفوذ، ودعاية وقدرة على التحكم بوسائل الإعلام .. قد تحولت كثير من مجتمعاتنا إلى غابة تتآكلها الأهواء التي لا تعرف إلا حظوظ النفس .. ولا تنتصر لشيء إلا للنفس وحظوظها ورغباتها .. وليكن بعدها ما يكون .. فلا يعرف الأخ شيئاً عن أخيه، ولا الجار يعرف شيئاً عن جاره فضلاً عن أن يعرف له حقوقه .. ويصون له حرماته .. وهذا أنَّى أن تنفع معه الخطط الاقتصادية والسياسية مجردة عن تلك المعاني والقيم الإيمانية الحضارية .. صدق رسولُ الله r:" لتتبعن سنن من قبلكم شِبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ـ وفي رواية: حتى لو دخلوا في جحر ضبٍّ لاتبعتموهم ـ قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمَن " متفق عليه. أي من يكون غيرهم ..؟!
       ومنها: أنه مجتمع يتمتع برقابة ذاتية: من خلال إيمان أفراده بالغيب .. من خلال إيمانهم بالله العظيم، وباليوم الآخر، وبالجنة والنار .. وأن الله تعالى معهم .. مطلع عليهم .. عالم بأحوالهم، وأسرارهم .. لا يخفى عليه شيء من أحوال عباده .. ولا شي من خلقه .. سبحانه وتعالى .. وأنه تعالى محاسبهم ومجازيهم على ما يكون منهم من عمل، كما قال تعالى:) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (الزلزلة:7-8.
       وقال تعالى:) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (التوبة:78. وقال تعالى:) أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (البقرة:77. وقال تعالى:) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ (البقرة:255. وقال تعالى:) ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (المائدة:97. وقال تعالى:) وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (الأنعام:59. وقال تعالى:)  وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (الأنعام:3. وقال تعالى:) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الحديد:4. وقال تعالى:) عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (سبأ:3. وقال تعالى:) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق:16. وقال تعالى:) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (البقرة :186. وغيرها كثير من الآيات والأحاديث النبوية الدالة على هذه العقيدة العظيمة .. والتي لا يصح إيمان المرء من دونها.
       هذه العقيدة على قدر تمكنها من الإنسان .. على قدر ما يستقيم سلوكه .. وتتشكل لديه الرقابة الذاتية لأفعاله وسلوكه .. فهو لا يحتاج إلى رقابة من أجهزة الأمن .. ولا من كاميرات التجسس والرقابة ـ التي يسهل على المحتالين الاحتيال عليها ـ لأنه يُؤمن بأن الله تعالى معه، يسمعه ويراه، وهو قادر عليه .. فيستحي ويمتنع عن فعل المشين والمحظور .. حتى لو كان قادراً على فعله؛ حيث يأمن رقابة الناس له!
       هذه الخاصية ليست لأحدٍ إلا للمؤمنين المسلمين .. ولمجتمعاتهم التي تكرس في أبنائها هذه العقيدة الإيجابية العظيمة .. عقيدة الإيمان بالله العظيم، والإيمان بالغيب.
       ولما عملت المجتمعات العلمانية الملحدة، المتحللة .. على محاربة هذه العقيدة ـ عقيدة الإيمان بالله، وبالغيب ـ في نفوس أبنائهم وشعوبهم .. ماذا كانت النتيجة؟
       كانت النتيجة أنهم يحتاجون ـ عوضاً عن عقيدة الإيمان برقابة الله ـ إلى نصب ملايين الكاميرات التي تتجسس على سلوكيات وحركات الناس في كل مكان .. وكل زِقٍّ وزاوية .. كما أنهم يحتاجون إلى مضاعفة العناصر الأمنية التي تقف تراقب خلف هذه الكاميرات .. وتلاحق المخالفين والمتلاعبين .. وهذا يكلفهم ـ من خزائن الدولة ـ مليارات الدولارات .. فإن لم يفعلوا ذلك .. أو تعطلت كاميراتهم عن العمل والرقابة ساعة واحدة فقط .. وضمن الناس غياب رقابتها .. تحصل في تلك الساعة آلاف الجرائم من النهب، والسطو على الحقوق والحرمات .. لأنهم لا يؤمنون بعينٍ أخرى تراهم غير عين الكاميرا .. ولا بجزاء غير جزاء شرطتهم ورجال أمنهم .. فما الذي يمنعهم من اقتراف الجرائم والمحظورات عند ضمانهم غياب كل ذلك ..  يحصل ذلك في أرقى دول الغرب مدنية كمدينة نييورك في أمريكا .. ولندن في بريطانيا[[19]].
       والعلمانيون في بلادنا من أبناء جلدتنا .. يريدون أن يحملوا الناس في مجتمعاتنا كرهاً على الكفر بالله العظيم .. وعدم الإيمان بالغيب .. تبعاً لما يجري في ـ قبلتهم الأولى ـ أمريكا وبلاد الغرب.. لكن لو تحقق لهم ذلك .. ماذا ستكون النتيجة؟ ستكون النتيجة كارثيّة وفق كل المقاييس .. أكثر بكثير مما يحصل في أمريكا وبلاد الغرب .. وذلك أننا نفتقد نظام رقابة الكاميرات بالصورة المنتشرة في بلاد الغرب .. فإذا أضيف إليها غياب عقيدة الإيمان بالله تعالى، وبالغيب .. وأن الله معنا يرانا .. ويسمعنا .. ويعلم منا ما نخفي وما نعلن .. وأنه تعالى قادر علينا .. فحينئذٍ حدث ـ ولا حرج ـ عن نوع وحجم الجرائم التي سترتكب، من غير حسيب، ولا رقيب!
       مجتمعاتنا .. إن غابت فيها عقيدة الرقابة الإيمانية الذاتية ـ كما هو مشار إليه أعلاه ـ تحولت إلى مجتمعات وحوش وغابات .. القوي فيها يسطو على الضعيف .. لا أحد يأمن الآخر على نفسه، وحرماته .. مهما كانت الخطط والبرامج الاقتصادية والسياسية جادة وصائبة .. وكثر الحديث عن جودة الدساتير، والمواثيق، والقوانين التي تُسطّر على الأوراق .. إذ بمفردها لا يمكن أن تعمل عملها المنشود والمرتقب في المجتمعات! 



[1]  عن يحيى بن أبي سُليم، قال: رأيتُ سمراء بنت نَهيك ـ وكانت قد أدركت النبيَّ صلى الله عليه وسلم ـ عليها درعٌ غليظٌ، وخمارٌ غليظٌ، بيدها سوطٌ، تُؤدّب الناسَ، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر ". قال الشيخ ناصر الدين الألباني في كتابه جلباب المرأة المسلمة، ص102: أخرجه الطبراني في الكبير، بسند جيد ا- هـ.
   قلت: سمراء بنت نَهيك ـ رضي الله عنها ـ صحابية جليلة .. من مر على ذكر اسمها، ليس له إلا أن يحترمها، ويقول: رضي الله عنها .. وبالتالي لا مجال للاستخفاف بالأثر .. والآثار السلفية السنية الدالة على أن المرأة ـ في القرون الأولى المشهود لها بالخيرية والفضل، كانت تشارك في العمل السياسي الذي هو جزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ كثيرة جداً لو أردنا الإحصاء .. وما قصة تلك المرأة التي أوقفت الخليفة الفاروق عمر t في الطريق .. وهي توصيه بخاصة نفسه، وأن يتقي الله في نفسه .. وفي رعيته .. إلا شاهداً من جملة الشواهد الكثيرة الدالة على هذا المعنى الآنف الذكر.
[2] رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 491.
[3] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 491.
[4] رواه أحمد، صحيح الجامع: 6659.
[5] العلمانيّة تعني إقصاء الدين عن الدولة والحياة .. وعزله عن السلوك الإنساني وأنشطته في جميع ميادين الحياة ..  وحصر أنشطته وميادينه في زوايا المعابد، والكنائس، والمساجد .. وفيم يتعلق بعلاقة العبد بربه وحسب .. والعلمانية اليمينية المتطرفة ـ كما في ثوبها الشيوعي ـ حتى هذا الجانب المقصور على الزوايا والمساجد، وعلاقة الفرد بربه .. تمنعه وتحاربه، وتُجرّم عليه الناسَ!
[6] رواه أحمد، والترمذي، صحيح الجامع: 6262.
[7] أي معاشه، كما في "النهاية"، والمراد: أنه يمنع عن أخيه تلف معاشه وسبب رزقه.
[8] أي يحفظه في أهله ونفسه وماله عند غيابه.
[9] صحيح سنن أبي داود: 4110.
[10] رواه أحمد، وأبو داود، صحيح الجامع: 5690.
[11] رواه أحمد، صحيح الجامع: 6659.
[12] رواه مسلم، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، صحيح سنن أبي داود: 4137.
[13] أي لا يتخلى عنه ولا يتركه للظلم والقهر، والفقر والجوع .. ولعدوان المعتدين. 
[14] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 176.
[15] رواه ابن أبي الدنيا والطبراني، صحيح الترغيب: 2617.
[16] رواه البزار، والطبراني، صحيح الجامع: 5505.
[17] صحيح الأدب المفرد: 81.
[18] رواه أحمد، والبخاري، صحيح الجامع: 7102.
[19]   منذ أشهرٍ من سنة ( 2011 )، لما حصلت أحداث الشغب في مدينة لندن .. وتعطلت بعض كاميرات المدينة عن العمل .. تم تهشيم المحلات التجارية العامة والخاصة .. ونهب ما فيها .. مما خف حمله، وغلا ثمنه .. وشارك في ارتكاب هذه الجرائم .. شخصيات كانت تعتبر في المجتمع ـ إلى ما قبل حصول هذا الشغب بسويعات ـ أنها شخصيات محترمة وراقية ومرموقة ... فتأملوا!
   وهم حتى يضمنوا عدم حصول جرائم نهب وسطو على أموالهم ومتاجرهم .. تجدهم مضطرين أن ينصبوا في محل تجاري متوسط الحجم والسعة .. أكثر من عشر كاميرات .. غير عناصر الأمن والرقابة .. التي تراقب الداخل والخارج من الزبائن ... وهذا كله من عند أنفسهم؛ لما حاربوا في نفوس أبنائهم عقيدة الإيمان بالله، والإيمان بالغيب .. فلا  يلومنّ إلا أنفسهم!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق