الخميس، 26 ديسمبر، 2013

وظيفة العلماء التشريعية



وظيفة العلماء التشريعية : ليس للعلماء خاصية التشريع لذاتهم ـ كما تقدم ـ وإنما وظيفتهم التشريعية تقتصر على المهام التالية:
1- إدلال الناس وتعريفهم بالشرع المنزل .. وتوصيلهم بالنبيِّ r وسنته المطهرة .. وتقريب الكتاب والسنة إليهم، وتقريبهم من الكتاب والسنة .. وهم بذلك يُوقعون عن الله U، وعن نبيه r .. من هنا يكمن شرف العلماء الذي سبقت الإشارة إليه.  
2- تفريغ الأحكام الفقهية الشرعية في قوانين ومواد مرقمة .. يسهل على القضاء التعامل معها، والرجوع إليها عند الحاجة.
إذ ليس كل قاضٍ يُفترَض فيه أن يكون مجتهداً مُطلقاً ليُقال له: هذه هي الشريعة .. هذه هي نصوص الكتاب والسنة .. وأقوال الصحابة .. فاحكم بها .. وانتقي منها ما يتناسب مع القضايا التي تُعرض عليك، أو تُرفَع إليك .. فكثير من القضاة دون هذا المستوى بكثير .. وحتى نسهل عمله ومهمته .. ونقلل من خطئه .. لا بد من أن تُصاغ له الأحكام الشرعية في قوانين ومواد مرقمة .. يسهل الرجوع إليها، والتعامل معها، وهذه مهمة العلماء المجتهدين.
هذه القوانين والمواد الشرعية .. تدرس في الجامعات والمعاهد العلمية .. كما تُدرس المحاماة في الأنظمة الوضعية .. لنفرز قضاة ومحامين شرعيين .. يحكمون في قضائهم ومرافعاتهم بالشريعة .. ويواكبون متطلبات السلطة القضائية في الدولة الإسلامية.
كذلك يُستحسَن أن يكون هناك تخصص في القضاء؛ قضاء في الأحوال الشخصية .. وقضاء في الأحوال والأمور الجنائية .. وقضاء في الأحوال والمعاملات المالية والاقتصادية .. قضاء في الأحوال والحقوق العامة .. ولكل سلك من القضاء طلابه، وقضاته المختصين .. وعلى قدر ما تتعدد الاختصاصات القضائية .. على قدر ما يُسهل عملية القضاء، ويُقلل من أخطاء القاضي .. كما يسهل من مرافعات الناس للقضاء .. ويسرع في إيجاد الحلول لها .. وهذه مصالح لا يمكن غض الطرف عنها، أو التقليل من أهميتها، عندما ننشد دولة تحكم بما أنزل الله .. فالإسلام جاء بجلب المصالح، ودفع المفاسد، ما أمكن لذلك سبيلاً. 
3- الاجتهاد في النوازل، والمستجدات مما ليس فيه نص صريح ـ أو مما قد لا يعلم العالم فيه نص، مع وجوده ـ فيضطر حينئذٍ للقياس والاجتهاد .. والاجتهاد يكون اجتهاداً معتبراً بشرطين: أن يتوافق مع روح ومقاصد الشريعة .. وأن لا يتعارض مع نص من نصوص الشريعة .. فإن أصاب العالم الحقَّ في اجتهاده فله أجران؛ لإصابته الحق، ولاجتهاده .. وإن أخطأ فله أجر واحد لاجتهاده، كما في الحديث، فقد صح عن النبي r أنه قال:" إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " متفق عليه.
وفي الأثر عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: أكثروا على عبد الله ـ أي ابن مسعود ـ ذات يوم، فقال عبد الله: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي، ولسنا هنالك. ثم إن الله U قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عُرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه r، فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه r، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه r، ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقول: إني أخاف، وإني أخاف، فإن الحلال بَيِّنٌ والحرام بين، وبَين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك[[1]].
عن شريح: أنه كتب إلى عمر يسأله، فكتب إليه: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله r، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله r، فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله r ولم يقض به الصالحون، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك، والسلام عليكم[[2]].
والمجتهد وإن كان له أجر على اجتهاده الخاطئ .. إلا أنه لا يجوز متابعته في الاجتهاد الخاطئ .. فهو له أجر على اجتهاده .. بينما الذي يتبعه على خطئه ـ ويتعصب لاجتهاده الخاطئ، وهو يعلم بأنه مخطئ ـ فعليه وزر!
4- الاجتهاد في الأمور الإدارية والتنظيمية؛ كتنظيم إدارة شؤون الجيش والعسكر، وتنظيم شؤون الدواوين والوظائف الحكومية، وغيرها من الأمور الإدارية والتنظيمية التي تدخل تحت عنوان " المصالح المرسلة "، والتي فيها نفع للبلاد والعباد ... فلا حرج على العلماء أن يسنوا القوانين التي تنظم هذه المجالات .. بالشرطين الآنفي الذكر أعلاه:" أن يتوافق اجتهادهم مع روح ومقاصد الشريعة .. وأن لا يتعارض مع نص من نصوص الشريعة "؛ مثال ذلك: كأن يسن قانون للعمل ودوام الموظفين خلال صلاة الجمعة .. فهذا وإن كان قانوناً إدارياً تنظيمياً إلا أنه لا يجوز لمعارضته لقوله تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (الجمعة:9.
هذه هي وظيفة العلماء التشريعية .. وعندما يُطلق عليهم أي صفة تشريعية فهو يراد حصراً المهام الواردة في النقاط الأربعة الواردة أعلاه، أو بعضها، والله تعالى أعلم.  


[1]  صحيح سنن النسائي: 4987.
[2]  صحيح سنن النسائي: 4989.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق