الخميس، 26 ديسمبر، 2013

متى نراجح ونفاضل بين أقول العلماء



متى نراجح ونفاضل بين أقول العلماء، وفق المعايير التالية:
أولاً: تقديم القول الموافق للدليل من الكتاب والسنة، فإذا صح الدليل من الكتاب أو السنة على قول من الأقوال، لا يُلتفت إلى غيره مهما علا كعب صاحبه.
قال تعالى:) فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النور:63.
وعن أبي سلمة أن أبا هريرة، قال لرجل: يا ابن أخي، إذا حدثتُكَ عن رسولِ الله r حديثاً فلا تضرب له الأمثال[[1]].
وكان ابن عباس يحدث عن النبي r فيقول: قال رسولُ الله r، فيُقال له: ولكن قال أبو بكر، وعمر، فيقول لهم: تكاد السماء أن تمطر عليكم حجارة؛ أقول لكم قال رسولُ الله، وتقولون قال أبو بكر وعمر؟!
وأبو بكر وعمر هما، هما .. فما بالك بدونهما؟!
ثانياً: إن خفي الدليل المحكم والصريح، وتباينت الأقوال فيما بين العلماء، يُقدَّم أقرب الأقوال والأفهام منها إلى مراد النص ـ من الكتاب والسنة ـ ودلالته، لأن الحجة الشرعية في قال الله، قال رسول الله r.
ثالثاً: فإن خفي النص، وخفي القول الأقرب إلى مراد ودلالة النص، ثم بعد ذلك تباينت أقوال الصحابة فيما بينهم يُقدّم قول وفهم  من كان له السبق في الإسلام، والنصرة، قال تعالى:) لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (الحديد:10. 
وعن أنس، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيامٍ سبَقْتُمونا بها؟! فبلغنا أن ذلك ذُكِرَ للنبي r، فقال:" دَعُوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيدِه لو أنفَقْتُم مِثْلَ أُحُدٍ أو مِثْلَ الجبالِ ذَهباً ما بلَغْتُم أعمالَهُم "[[2]].
رابعاً: فإن خفي ما تقدم بيانه في النقاط الثلاثة أعلاه، قُدِّم قول واجتهاد علماء القرن الأول، على قول واجتهاد علماء القرن الثاني، وقول واجتهاد علماء القرن الثاني على قول واجتهاد علماء القرن الثالث، وقول واجتهاد علماء القرن الثالث على من يأتي بعدهم، لقوله r:" خَيرُ أُمَتِي قَرْني، ثُمَّ الذِينَ يَلونَهُم، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُم "متفق عليه. والقرن الأول هو قرن الصحابة، ثم القرن الثاني؛ وهو قرن التابعين، ثم القرن الثالث؛ وهو قرن تابعي التابعين.  
وعن عائشةَ قالت: سألَ رجلٌ النبيَّ r: أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال:" القَرْنُ الذي أنا فيه، ثُمَّ الثاني، ثمَّ الثالِثُ " مسلم. وهذه الخيرية إنما استحقوها لسلامة دينهم وعقيدتهم، وفهمهم للدين على من جاء بعدهم.
وقال r:" احفظوني في أصحابي، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يَفشُو الكذب، حتى يشهد الرجلُ ولا يُستَشهَد، ويحلف الرجُل ولا يُستَحْلَف "[[3]].
خامساً: إن خفي ما تقدم بيانه في النقاط الأربعة أعلاه، قُدم القول الموافق للجمهور والأكثرية على القول المخالف له .. لأن يد الله تعالى مع الجماعة .. والله تعالى يبارك بالجماعة .. واحتمال وقوع الخطأ بحق الجماعة والجمهور أقل منه بحق الفرد.
سادساً: إن خفيت المقاييس والمعايير الواردة في النقاط الخمسة أعلاه، يُقدم قول العالِم المجاهد، على قول العالم الذي لم يُعرف عنه سابقة جهادٍ في ميادين الجهاد في سبيل الله، لقول تعالى:) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (العنكبوت:69.
قال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناسَ قد اختلفوا، فعليك بالمجاهدين، وأهل الثغور، فإن الله تعالى يقول:[ لَنَهْدِيَنَّهُمْ ].
سابعاً: ثم بعد ذلك يُلتمس الحق والعلم فيما يستجد من نوازل ومسائل عند العلماء الذين يلتزمون بالكتاب والسنة على فهم الصحابة، والسلف الصالح بحسب التسلسل الوارد أعلاه.
هذه هي أهم المعايير والمقاييس الشرعية التي ينبغي اتباعها ومراعاتها ـ عند الطلب والتلقي وسؤال أهل الذكر ومراجعتهم ـ والتي من خلالها نفاضل ونراجح بين أقوال أهل العلم .. وهذا يستدعي نوع دراية وفطانة من الناس، تمكنهم من التمييز والترجيح، فيما يتعين متابعته من أقوال أهل العلم، وفيما يتعين تركه .. ومن يضعف منهم عن هذه المرتبة لا حرج عليه بأن يهتدي بمن يثق بعلمهم ودينهم من أهل العلم .. لمعرفة الأصوب من أقوال أهل العلم، والله تعالى أعلم.


[1] صحيح سنن ابن ماجه: 20.
[2] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1923.
[3] صحيح الجامع: 206.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق