الخميس، 26 ديسمبر، 2013

التوفيق بين شروط الولاية، وبين الصبر، وعدم الخروج على من أخل بتلك الشروط:



ـ التوفيق بين شروط الولاية، وبين الصبر، وعدم الخروج على من أخل بتلك الشروط:
       فإن قيل: كيف نوفق بين ما تقدم من حديث عن الشروط التي يجب أن تتوفر في الحاكم .. وبين الأحاديث التي تنص على وجوب الصبر على أئمة الظلم .. وعدم الخروج عليهم، ما لم ترَ الأمة منهم كفراً بواحاً؟
       يُجاب عن هذا السؤال من ثلاثة أوجه:
       أولها: أن الإمامة والولاية ابتداءً لا تُعطَى لمن لا تتوفر فيه تلك الشروط الآنفة الذكر .. إذ لا يجوز للأمة وممثليها من أهل الحل والعقد .. أن ينتخبوا إماماً وحاكماً للأمة أو الدولة لا تتحقق فيه تلك الشروط والصفات.
       ثانيها: عندما يتم انتخاب واختيار الحاكم أو الرئيس من خلال مؤسسات وهيئات تمثل الأمة، وتُخوَّل هذه الهيئات والمؤسسات ـ دستورياً ـ إضفاء الشرعية على الحاكم، ومن ثم نزعها عنه في حال أخل بشروط الرئاسة أو الحكم .. وفق آليات سلمية محددة يُتفق عليها .. حينئذٍ يسهل على الأمة والشعوب إقالة الحاكم ـ من دون أدنى فتنة أو ضرر ـ في حال أخل بشروط الولاية والحكم الآنفة الذكر.
       فالحاكم مُستأمن ومُستَخلَف وموظّف من قبل الأمة ـ وليس مالكاً للبلاد والعباد ـ فكما ينبغي أن توجد آليات سلمية لتنصيبه حاكماً وإماماً .. ينبغي أن توجد آليات سلمية ـ يُتّفق عليها ـ لعزله وإقالته من منصبه .. في حال ما أخل بشروط وظيفته.
       وهذا الخيار .. هو الخيار الأمثل والأقل ضرراً .. الذي يجب على الأمة أن تسعى لتحقيقه والتأسيس له، والاتفاق عليه .. ليُصبح ملزماً للحاكم والمحكوم سواء .. من غير ضرر، ولا ضرار .. ومن أجل تجنيب البلاد والعباد أزمات الانقلابات، والثورات. 
       ثالثها: أن يتغلّب الحاكم على حكم البلاد والعباد بالقوة .. وهذا واحدٌ من أربعة: إما أنه مسلم، عدل، محب للحق والعدل، ويحكم بما أنزل الله. وإما أنه كافرٌ كفراً أصلياً، أو كفراً طارئاً من جهة الردة. وإما أنه فاسق وظالم من ذوي الفسق والظلم المجرّد. وإما أنه شديد الفسق والظلم والسّفه، من ذوي الظلم المركب والمغلّظ .. ولا يخرج الحاكم عن هذه الحالات الأربع .. وإليك مناقشتها، وبيان حكمها بشيء من التفصيل.
       أولاً: الحاكم المسلم العَدْل، الذي يحكم ـ في نفسه ورعيته ـ بما أنزل الله: وهذا وإن كان متغلباً، قد وصل الحكم عن طريق القوة والغلبَة ـ من غير شورى بين المسلمين ـ إلا أنه تجب طاعته بالمعروف، ومناصرته، ومناصحته .. ويحرم غشه، وعصيانه، والخروج عليه، دفعاً لمفاسد الخروج وفتنته، ومضاره، وعليه يُحمَل قوله تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء:59.
       وقوله r:" إن أُمّر عليكم عبد مجدَّع ـ أي مقطوع الأطراف ـ يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا "مسلم.
       وقال r:" من خلع يداً من طاعةٍ لقي الله يومَ القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعةً مات ميتةً جاهلية " مسلم.
       وقال r:"إن السَّامع المطيع لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة له "[[1]].
       وقال r:" من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات مات ميتةً جاهلية .." مسلم.
       وقال r:" الدين النصيحة " قلنا لمن؟ قال:" لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم " مسلم. 
       وقال r:" لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا، فإن الأمر قريب "[[2]]. وغيرها من النصوص الشرعية التي تُلزم بطاعة ولاة الأمور المسلمين بالمعروف.
       ثانياً: الحاكم الكافر: سواء كان كفره أصلياً، أو كان من جهة الردة والمروق من الدين .. لا تجوز طاعته، ووجب على الأمة عزله، ولو بالقوة إن أمكن ذلك، كما قال تعالى:) وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (النساء:141. وقال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ (آل عمران:149. والحاكم الكافر لا يحكم إلا ليحكم بما يعتقده من كفر، ومن شرائع كفرية باطلة .. إذ لا يرضى أن يقتصر كفره على سلوكه الشخصي بمعزل عن البلاد، والناس الذين يحكمهم.
       وقال تعالى:) وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (الأنعام:121. أي وإن أطعتموهم وتابعتموهم في الشرائع المضاهية لشرع الله تعالى، والتي تتضمن تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحلّ الله .. ) إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (.
       وقال تعالى:) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (الشعراء: 151-152. ولا مسرف أغلظ إسرافاً وإفساداً في الأرض من إسراف وإفساد طواغيت الكفر والردة الذين يحكمون الأمة بشرائع الكفر والفساد ..!
       وفي الحديث المتفق عليه، عن عبادة بن الصامت قال:" دعانا النبيُّ r فبايعناه، فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويُسرنا، وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ".
       قال ابن حجر في الفتح 13/7: إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ا- هـ.
       وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم 12/229: قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، وقال وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء إليها ا- هـ.
       قلت: قوله " وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء لها " هو إشارة إلى قوله r كما في صحيح مسلم:" ستكون أمراءٌ، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سَلِمَ، ولكن من رضي وتابع "، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال:" لا، ما صلوا ". وفي رواية عند مسلم كذلك:" لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة ". فالحديث أفاد أن الحاكم إذا ترك الصلاة، وترك الأمر بها .. كفر .. وتعين الخروج عليه، ولو بالقوة.
       فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله r:" إلا أن تروا كفراً بواحاً "، وبين قوله r:" لا ما أقاموا فيكم الصلاة "؟
       أقول: لا تعارض بينهما ولله الحمد .. فقوله r:" إلا أن تروا كفراً بواحاً "؛ عام وشامل لكل أنواع الكفر، ونواقض الإيمان .. وقوله r " لا ما أقاموا فيكم الصلاة "؛ تخصيص لنوع من أنواع الكفر العامة التي لأجلها يتعين الخروج على الحاكم .. ألا وهو " ترك الصلاة "؛ لبيان أهمية الصلاة، وخطورة تركها والأمر بها ... وبالتالي فيكون المعنى والتوفيق بين الحديثين: يجب الخروج على الحاكم الذي يكفر من جهة ترك الصلاة، وترك الأمر بها .. كما يجب الخروج عليه لو كفر كفراً بواحاً من جهات أخرى، غير جهة ترك الصلاة.    
       ثالثاً: الحاكم المسلم الفاسق: وهو الحاكم المتغلّب، والمتلبس في بعض الأعمال التي تخرجه من صفة العدالة .. لكن لا تخرجه من الملة .. ولا تدمغه بالكفر البواح .. فالأصل في هذا النوع من الحكام أن لا يولّوا ابتداء، من قبل الأمة، وممثليها ـ كما تقدم الحديث عن ذلك ـ أما وأنه قد تغلّب بالقوة .. وتعسَّرَت إقالته عبر الطرق السلمية المشروعة .. وكانت مفسدة الخروج عليه أكبر من مفسدة إقراره والصبر عليه .. فحينئذٍ يتعين تقديم أقل المفسدتين، ودفع أكبر الضررين والشرين بأقلهما ضرراً وشراً، وهذا الذي أفادت به الأحاديث النبوية، كما في الحديث، فقد صح عن النبي r أنه قال:" من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتةً جاهليةً " متفق عليه.
وعن سلمة بن يزيد الجعفي، أنه سأل رسول الله r فقال: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألون حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيسٍ، فقال رسول الله r:" اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم " مسلم. 
       وقال r:" ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يداً من طاعة " مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله r:" إنكم سترون بعدي أثرَةً وأموراً تنكرونها " قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال:" أدوا إليهم حقَّهم وسلوا الله حقكم " البخاري.
قال ابن حجر في الفتح 13/7: قال ابن بطال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ا- هـ. 
       وعن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت النبيَّ r يقول:" يُنصب لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة "، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يُبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم يُنصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه " البخاري.
       قال ابن حجر في الفتح: وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع في الفسق ا- هـ. 
       وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم 12/229: وأما الخروج عليهم ـ أي الأئمة ـ وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق . وقال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر من بقائه ا- هـ.
       وقال ابن تيمية في الفتاوى 14/472: والأئمة لا يُقاتلون بمجرد الفسق وإن كان الواحد المقدور قد يُقتَل لبعض أنواع الفسق؛ كالزنا وغيره، فليس كلما جاز فيه القتل، جاز أن يُقاتل الأئمة لفعلهم إياه؛ إذ فساد القتال أعظم من فساد كبيرة يرتكبها ولي الأمر ا- هـ.
       وقال الجويني في " غياث الأمم "ص102: لو كان الفسق المتفق عليه يوجب انخلاع الإمام أو يُخلعه لكان الكلام يتطرق إلى جميع أفعاله وأقواله على تفنن أطواره وأحواله، ولما خلا زمن عن خوض خائضين في فسقه المقتضي خلعه، ولَتحزب الناس أبداً في مطرد الأوقات على افتراق وشتات في النفي والإثبات، ولما استتبت صفوةُ الطاعة للإمام في ساعة.
       إلى أن قال: وقد قررنا أن في الذهاب إلى خلعه أو انخلاعه بكل عثرة رفضَ الإمامة ونقضَها، واستئصال فائدتها ورفع عائدتها، وإسقاط الثقة بها، واستحثاث الناس على سلِّ الأيدي عن ربقة الطاعة ا- هـ.
       رابعاً: الحاكم المسلم الشديد الفسق والظلم، والسَّفَه: وهو يختلف عن سابقه أنه شديد الفسق والظلم والفجور، والسَّفَه .. من ذوي الظلم والفسق، والسّفه المركّب والمغلّظ .. والذي لا يُختلف في الأمة على فسقه وشدة ظلمه .. وهذا شره وضرره على الأمة يختلف عن سابقه الحاكم من ذوي الفسق أو الظلم المجرد .. وبالتالي فإن النظر في تقدير المصالح من المفاسد بالنسبة للخروج عليه من عدمه .. أمر وارد، قابل للنظر، ومستساغ شرعاً وعقلاً .. وعليه فأقول: ابتداءً يتعين على الأمة خلع وعزل من كانت هذه صفاته من الحكام .. وبالطرق السلمية ما أمكن لذلك سبيلاً .. فإن أبى الانخلاع والاعتزال إلا بالقتال، نُظر في ذلك فإن كان القتال والخروج عليه بالقوة أقل ضرراً ومفسدة مما يصدر عنه من ظلم وفجور وفساد تعين الخروج عليه ولا بد، وإن كان خلاف ذلك، أُمسك عن الخروج عليه .. إلى حين توفر القدرة التي تمكّن من الخروج عليه، بنتيجة تكون أقل ضرراً ومفسدة .. عملاً بالأحاديث العامة الآنفة الذكر التي تأمر بالكف عن الخروج على أئمة الجور والفسق، دفعاً لأكبر المفسدتين والضررين. 


[1] أخرجه أحمد، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج:1056.
[2] أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ في التخريج:1015.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق