الخميس، 26 ديسمبر، 2013

أسلوب العمل السياسي



أسلوب العمل السياسي: لا بد من أن ندرك أن أسلوب العمل السياسي .. يختلف عن أسلوب العمل الوعظي التبليغي المجرد .. إذ لكلٍّ منهما خصائصه .. ومتطلباته المختلفة عن الأخرى .. وعندما يريد كل منهما أن يُنزل الطرف الآخر على قواعده، وأسلوبه .. ثم لا يقدر على ذلك .. ترى كلاً منهما يكيل التهم للطرف المقابل .. ويتهمه بالتقصير .. وهذا خطأ لا ينبغي، ولا يجوز.
         المسلم الواعظ .. يقتصر عمله ووعظه على مجموعة من المسلمين ـ قلوا أم كثروا ـ يجلسون أمامه، فيعظهم بما ينفعهم في شؤون دينهم وآخرتهم، ودنياهم .. فهو لا يحتاج لمزيد عناء لكي يُفهم ويَستفهم ممن هم أمامه.
بينما المسلم الذي يستشرف العمل السياسي العام، وعلى مستوى الحكم وقيادة الدولة .. فهو من جهة يتعامل بمسؤولية مع مجموع طوائف وشرائح المجتمع .. الكافر منهم والمسلم، الصالح منهم والطالح .. كما يتعامل ـ وبخاصة في زماننا ـ مع محيط من الأنظمة الفاسدة، والحكام والطغاة المجرمين .. لهم قلوب وطبائع الوحوش، والذئاب والأفاعي .. تحركهم الدسائس، والمؤامرات .. الأصل فيهم المكر والخداع .. بمعنى آخر فهو يتحرك في حقل مليء بالألغام والحفر والمتفجرات .. وهذا يستدعي منه أن يدرس كل خطوة يخطوها .. قبل أن يخطوها .. ويخطو الخطوة التي تليها .. وأن يزن كل كلمة يتلفظ بها قبل أن يقولها .. وإلا وقع في الضرر، والهلكة لنفسه، وشعبه، ودولته .. وهذا ليس من الإيمان والكياسة والسياسة في شيء. 
وحتى ينجح في مهمته، لا بد من أن يُعطى مساحة مقبولة ـ من غير توسع وتفريط ـ للحركة فيها .. إذ لا ينبغي يُضيَّق عليه، أو أن يُحاسَب ويُؤاخذ على أدنى بسمة أو حركة أو كلمة أو جلسة تضطره السياسة الشرعية لفعلها .. ومن ثم يُشنّع عليه ويُخوَّن .. ويُرمَى بالكفر والمروق .. لمجرد تلك البسمة أو الكلمة، أو الحركة .. أو الجلسة .. هذا لا ينبغي، ولا يجوز!
فإن قِيل: أين الدليل على ذلك ..؟
أقول: هناك أدلة عدة، وكثيرة تدلل على صحة ما ذكرناه .. قد لا يرقى كل واحد منها أن يكون دليلاً محكماً ومستقلاً في المسألة .. وإنما يُستفاد منه جزء من الدليل على المسألة .. فيُضاف إلى الجزء الآخر المستفاد من الدليل الثاني .. فيُضاف إلى الجزء الثالث المستفاد من الدليل الثالث .. وهكذا إلى أن يشكل مجموع الأجزاء المستفادة من مجموع الأدلة ذات العلاقة بالمسألة دليلاً محكماً ومتكاملاً على صحة المسألة .. وهذا فقه قَلّ من يتنبه له .. وإليك بيان ذلك بشيء من التفصيل:
قال تعالى:) إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً (آل عمران:28.
قال ابن كثير في التفسير: أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوامٍ وقلوبنا تلعنهم.
وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء، والضحاك، والربيع ابن أنس. وقال البخاري: قال الحسن التقية إلى يوم القيامة ا- هـ.
قلت: والحاكم المسلم قد يضطر لشيءٍ من ذلك .. فلا يُشدد عليه.
وقال تعالى:) وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة:195. وهذا يشمل الأفراد، والدول، والمجتمعات .. بل تجنيب الدول والمجتمعات الهلكة أولى وأوكد من تجنيب الأفراد الوقوع في الهلكة، أو فيما يؤدي بهم إلى الهلكة .. وإذا كانت هذه الهلكة لا تندفع، أو من لوازم دفعها أن يحصل نوع مجاملة وبسمة أو تكشيرة وضحكة في وجوه المبطلين .. فلا حرج من ذلك.
وعن عائشة رضي الله عنها، أنَّ رجلاً استأذَنَ على النبيِّ r فلمَّا رآهُ قال:" بئسَ أخو العشيرةِ، وبئسَ ابنُ العشيرَةِ ". فلما جلسَ تَطَلَّقَ النبيُّ r في وجههِ وانبسَطَ إليه، فلما انطلقَ الرجلُ قالت له عائشةُ يا رسولَ الله، حين رأيتَ الرجلَ قلت له كذا وكذا، ثم تطلَّقتَ في وجهه وانبسَطتَ إليه؟ فقال رسول الله r:" يا عائشَةُ، متى عهدتِني فحَّاشاً، إنَّ شرَّ الناس عند الله منزلةً يومَ القيامةِ من تركَه الناسُ اتِّقاءَ شَرِّهِ، واتِّقاء فُحْشِه " متفق عليه.
وفي الأثر عن أبي الدرداء، قال:" إنَّا لنكشِّرُ في وجوه أقوامٍ ونضحكُ إليهم، وإنَّ قلوبَنا لتلعنهم "[[1]]. فليس لأدنى بسمة أو تكشيرة يكشرها المؤمن في وجوه الكافرين الظالمين ـ وبخاصة في زمن الاستضعاف ـ يُرمى بالخيانة، وموالاة الكافرين ..!
وقال r:" لا ينبغي للمؤمنِ أن يُذِلَّ نفْسَهُ "، قالوا: وكيف يُذلُّ نفْسَه؟ قال:" يَتعرَّضُ من البلاءِ لما لا يُطِيقُ "[[2]]. فدفع البلاء الذي لا يُطاق عن البلاد والعباد أولى .. وإذا كان ذلك لا يتحقق .. إلا بنوع مجاملة .. فلا حرج منه.
وعن محمدٍ بن الحنفيّة، قال:" ليس بحكيمٍ من لا يُعاشِر بالمعروف مَن لا يجدُ من معاشرته بُدَّاً، حتى يجعل اللهُ له فرجاً أو مخرجاً "[[3]]. ومقتضيات المعاشرة بالمعروف .. تزيد عن قدر المجاملات في الضحكات، والكشرات، وبعض الكلمات ..!
وقال r:" لا يُلدَغ المؤمن من جِحرٍ واحدٍ مرتين " متفق عليه. فإغلاق منافذ اللدغ عن البلاد والعباد من باب أولى .. ويجوز في سبيله .. ما لا يجوز في سبيل دفع اللدغ عن الأفراد .. فعلى قدر ما تعظم وتكبر المصلحة .. على قدر ما تهون تلك المجاملات، والشكليات!
وقال r:" الحرب خدعة " متفق عليه. وفي السياسة وميادينها حروب باردة مع العدو .. وأحياناً تكون طاحنة ساخنة .. ولكي تنجو، وتسلم، وتحقق الظفر لدينك، وأمتك تحتاج لنوع دهاء، وخداع، ومخادعة .. وإلا بلعتك دهاليز وحوش السياسة، وأصبحت كالدمية في أيديهم!
قال عمر بن الخطاب t:" لست بالخَبِّ، ولا الخَبُّ يخدعني "؛ أي لست بمخادعٍ أخدع الناس، ولا أسمح لمخادعٍ أن يخدعني .. فمقولته العظيمة جمعت بين التزام السياسي المسلم بتعاليم وقيم دينه .. وبين الوعي والحذر مما يُدار ويُحاك حوله .. وأنه صعب المنال .. أو أن تُنال أمته من قِبله .. ولو بقليل سوء أو خداع! 
قال المغيرة بن شُعبة: ما رأيتُ أحداً هو أحزَمُ من عمر، كان والله له فضل يمنعه أن يَخدَع، وعقل يمنعه أن يُخدِع[[4]].
وقال الحسن البصري: كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول: هي العقل كله.
والمداراة تكون من أجل سلامة الدين، والمعاش معاً .. والسفيه الذي لا يُحسن تقدير عواقب الأمور، هو الذي لا يُحسن المداراة، ولا يعرف معنى المداراة .. فيلقي بنفسه ومن معه في التهلكة.
وفيما تقدم ذكره من أدلة دليل كاف على ما أردنا الإشارة إليه .. وليس مما أردنا الإشارة إليه أن تكون السياسة ذريعة للتفلت من قيود الدين، وعقيدته، وقيمه، وأخلاقه ـ كما يحلو للبعض ـ فهذا المعنى لا نريده .. وإنما نحذر منه، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.


[1] شعب الإيمان، للبيهقي: 8103.
[2] رواه الترمذي وابن ماجه، صحيح سنن الترمذي: 1838.
[3] صحيح الأدب المفرد: 682.
[4] العقد الفريد: 1/43.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق