الخميس، 26 ديسمبر، 2013

ـ العلماء صمّام أمانٍ للمجتمعات



ـ العلماء صمّام أمانٍ للمجتمعات : فهم غرس الله تعالى في أرضه، يستعملهم في طاعته .. وخدمة دينه .. وعباده .. وهم على ثغرة عظيمة من ثغور الإسلام، والمسلمين .. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ويُصلحون ما يُفسده الناس .. فبصلاحهم يصلح العباد، وتصلح معهم البلاد .. وبفسادهم وكتمانهم للحق والعلم .. يفشو الجهل .. وتفسد البلاد والعباد!
       قال تعالى في الذين يكتمون العلم، ولا يُؤدون زكاته:) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ(البقرة:175.
       وقال تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ . إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة:195-160.  
وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:" أيُّما رجلٍ آتاهُ اللهُ عِلماً فكتمَهُ، ألجمَهُ اللهُ يومَ القيامَةِ بلجامٍ من نار "[[1]].
وقال r: " إن أخوفَ ما أخافُ على أُمتي كلُّ منافقٍ عليمِ اللسان "[[2]].
أحياناً يكون في بيان العالم وصدعه بالحق أثر عظيم في الإصلاح، والتغيير .. كما يكون له وقعه الأليم على الباطل وأهله .. ما لا يكون في هدير القنابل، وأزيز الرصاص .. من هنا جاء الأمر والحض على الصدع بالحق .. وقد عُد من أفضل الجهاد في سبيل الله. 
كما في الحديث عن عبادة بن الصامت، قال:" بايعَنَا رسولُ الله على أن نقولَ بالحقِّ أينما كُنَّا لا نخافُ في اللهِ لومةَ لائم " متفق عليه.   
       وقال r:" سيِّدُ الشُّهداء حمزةُ بنُ عبدِ المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاهُ فقتَلَهُ "[[3]].        
       وقال r:" أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ سُلطانٍ جائرٍ "[[4]].
       وقال r:" أحبُّ الجهادِ إلى اللهِ، كلمةُ حقٍّ تُقالُ لإمامٍ جائرٍ "[[5]].
       وحتى يعطي العلماء عطاءهم المرجو .. ويكونوا في المقدمة دائما؛ً يقودون الأمم والشعوب نحو الإصلاح، والتغيير المنشود .. لا بد للشعوب في المقابل من أن تؤدي لهم حقهم في الطاعة ـ وفق ما تقدم ـ والاحترام، والتوقير .. إذ ليس من الوفاء، والعدل، أن ترى العلماء يُضحون ويواجهون المخاطر من أجل مصالح الشعوب .. بينما في المقابل لا يلقون أي نصرة، أو تأييد من الشعوب .. إذا ما داهمتهم المخاطر والخطوب، أو زُجَّ بهم في سجون الطغاة الآثمين .. فالنصرة يجب أن تكون متبادلة من الطرفين للطرفين .. طاعة لله تعالى ولرسوله r .. بذلك تكتمل مسيرة التغيير، وتُقاد سفينة المجتمع إلى بر السلامة، بإذن الله.
       عن ابن عباس مرفوعاً:" البَركَةُ مع أكابِركُم "[[6]].
       وقال r:" ليسَ مِن أُمتي مَنْ لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحَم صَغِيرَنا، ويَعرِف لعالِمنا "[[7]].
       وقال r:" إنَّ من إجلالِ اللهِ إكرامَ ذي الشَّيبَةِ المسلم، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغَالي فيه والجَّافي عنه، وإكرامَ ذي السلطانِ المُقْسِط "[[8]].
       وقال r:" إنَّ اللهَ تعالى قال: مَن عادى لي وليَّاً[[9]]فقد آذنتُهُ بالحرب " البخاري.
       وقال r:" أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم "[[10]].
       وقال r:" أمرَني جبريلُ أن أُقدِّمَ الأكابِرَ "[[11]].
       قال الشَّعْبي: صلَّى زيدٌ بن ثابت على جنازةٍ، فقُرِّبَت إليه بغلتُه ليركَبها، فجاء ابن عباس، فأخذَ بركابِه، فقال زيد: خلِّ عنه يا ابنَ عمِّ رسولِ الله r، فقال ابنُ عباس: هكذا أُمِرنا أن نفعلَ بالعلماءِ والكُبراء، فقبَّل زيد بن ثابت يدَه، وقال: هكذا أُمِرنا أن نفعَلَ بأهلِ بيتِ نبينا r[[12]].
         قال تعالى:) قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (الزمر:9.
       وعليه؛ إذا أردت أن تعرف أين أمة من الأمم أو دولة من الدول .. من الحضارة والتحضر .. وأين هي من بر السلامة والأمان .. انظر إلى أين هي من علمائها .. وما هو دور العلماء ـ وما هي مكانتهم ـ فيها .. فإن كانت لهم الكلمة والريادة والسيادة فهي دولة متحضرة، متقدمة .. وإن كانت لهم السجون والزنازين .. وحبال المشانق .. فهي دولة ظالمة متخلفة .. تحفر قبرها بنفسها .. وتُسرع الخطا نحو هلكتها!
       لا بد للعلماء من أن تُعاد إليهم هيبتهم، ومكانتهم في الأمة، ودورهم الريادي في قيادتها .. وقيادة الشعوب .. هذا إذا أردنا للأمة أن تعود لها الريادة والسيادة، والقيادة ـ من بين الأمم ـ من جديد.
       لا يوجد في الإسلام شيء اسمه رجال الدين على طريقة النصارى .. الذين يفصلون أنفسهم، وتفكيرهم، ودينهم، واهتماماتهم عن الدولة، والحكم، والحياة .. والشؤون العامة .. فإن جاز شيء من ذلك في النصرانية؛ دين الكنيسة .. فإنه لا يجوز في دين الله، الإسلام. 


[1] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 2714.
[2] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 239.
[3] رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 491.
[4] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 491.
[5] رواه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع: 168.
[6] أخرجه ابن حبان وغيره، السلسلة الصحيحة: 1778. قلت: وفي الحديث حضٌّ على التزام غرز الأكابر من العلماء العاملين الموحدين .. وإن صغرت أعمارهم .. وعدم الالتفات عنهم إلى الأصاغر من أهل الأهواء والبدع .. والضلال .. وإن كبرت أعمارهم .. فإن الخير والبركة مع الأكابر ـ وليس الكبار في السن لكونهم كباراً في السن ـ وفي التزام غرزهم.
[7] رواه  أحمد وغيره، صحيح الترغيب: 96. وقوله r:" ويَعرِف لعالِمنا "؛ أي يعرف حقَّه من توقير وإجلالٍ وتكريم لما له من فضل ومعروف على الناس.   
   
[8] صحيح سنن أبي داود: 4053.
[9] من أولياء الله تعالى العلماء العاملون؛ فالولاية تتحقق بثلاثة خصال: بالمتابعة للسنة، والجهاد في سبيل الله، والإخلاص .. وهذه الخصال من أبرز ما يتميز بها العلماء العاملون .. والتفاضل والتنافس فيم بينهم يكون على قدر تفاضلهم وتنافسهم في تلك الخصال!
[10] صحيح الأدب المفرد: 362. قلت: من ذوي الهيئات أهل العلم والمروءة والفضل، والشرف. " عثراتهم "؛ أي كبواتهم وزلاتهم؛ إذ لكل جوادٍ كبوة فلا ينبغي أن يُنسى فضله وثباته وصهيله في ميادين وساحات الوغى .. لأجل كبوته تلك .. ويُؤخَذ ويُحاسَب على أساسها! 
[11] رواه أبو بكر الشافعي في الفوائد،  السلسلة الصحيحة: 1555. والتقديم الوارد في الحديث شامل لكل أمرٍ هامٍّ ذي بال؛ كتقديمهم في المجلس، والمشورة، والحديث، وتقديمهم في الصلاة خلفه r في الصف الأول، وتقديمهم في القيام بالمهام الكبيرة .. فالتقديم شامل لكل هذه المعاني، والله تعالى أعلم.
[12] قال العراقي في تخريجه للإحياء 1/63: أخرجه الطبراني، والحاكم، والبيهقي، قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق