الأربعاء، 8 يناير، 2014

دور الاجتهاد في بناء الحضارة الاسلامية



دور الاجتهاد في بناء الحضارة الاسلامية
إن الغرب اليوم يدعي أنه أول من بدأ مسيرة البحث العلمي في هذا المجال من جالات العلم، أي نشوء الحياة، ولكن ربما نعجب إذا علمنا أن القرآن هو أول كتاب أطلق هذه الدعوة، الدعوة إلى البحث في أسرار بداية الخلق من خلال السير والتنقيب والبحث في الأرض. يقول تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [العنكبوت: 20].
هذه الآية الكريمة تؤكد على ضرورة أن نسير في الأرض وننظر ونتأمل من حولنا وندرس ما حولنا من أجل اكتشاف " كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" ومثل هذه الآيات كانت سبباً في تحفيز علمائنا قديماً لاكتشاف الكثير من العلوم ووضع النظريات وهذا ما ساهم في دفع عجلة العلم ولذلك كان لعلماء المسلمين الفضل في كثير من العلوم، التي أخذها عنهم علماء أوربا واستفادوا منها وقاموا بتطويرها.
وفي هذا البحث سوف نرى بأن العلماء قد اكتشفوا بالفعل أن أسرار نشوء الكائنات وبدايات خلق الأرض وتشكلها وتاريخ هذه الأرض، كل ذلك مدوّن بلغة خاصة في صخور الأرض وفي طبقات الجليد وجذوع الأشجار. وهذه الظواهر تدعونا لليقين بلقاء الله تعالى واليقين بصدق كتابه وصدق رسالته، ولذلك قال عز وجل في آية أخرى: (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) [الذاريات: 20]، نسأل الله تعالى أن نكون من الموقنين.
لقد بدأ العلماء رحلة البحث عن بدايات الخلق وذلك عبر الصخور والمتحجرات وفي أعماق البحار وغير ذلك. واكتشفوا أن سر المخلوقات وبداية الحياة موجود في الأرض. ولذلك فإنهم أطلقوا آلاف الأبحاث العلمية التي تتحدث عن عمر الأرض وأعمار المخلوقات وكيفية نشوئها وكيف تشكلت الجبال ومتى وكيف نشأت البحار والنباتات وغيرها. فتاريخ أرضنا مختزن في ذرات التراب والصخور والنباتات وفي كل ذرة ماء!
إن هذا الأمر يتكرر مع الباحثين في تاريخ الإنسان أيضاً، فقد وجدوا "سجلات محفوظة" داخل كل خلية من خلايا الإنسان. وعندما وجدوا جمجمة بشرية تعود لأكثر من مئة ألف سنة تبين لهم بنتيجة تحليل ذراتها أن كل شيء موجود ومحفوظ في ثنايا هذه العظام: تركيب ذلك الإنسان الذي عاش قبل مئة ألف سنة، ومواصفاته ومتوسط عمره وحتى نوعية غذائه وشرابه!!
ونحن اليوم بحاجة ماسَّة لتأمل هذه الاكتشافات لنزداد إيماناً بالله تعالى، ولندرك أن الله قادر على إعادة الخلق كما قال عز وجل: (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [العنكبوت: 20]. فعندما يتعمق الإنسان في هذه الآيات الكونية من حوله، فإنه يزداد يقيناً بلقاء الخالق جل وعلا، وهذا اليقين سوف يبقينا على صلة بالله تعالى، لتستقيم أعمالنا وتصبح خالصة لوجهه الكريم، عسى أن نكون من الذين قال الله في حقهم: (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) [الذاريات: 20].
من سمات العصر تعدد الوقائع، وازدياد الحوادث والقضايا، التي لم يسبق أن وردت بخصوصها حلول قاطعة، وإجابات وافية كافية - مثل: الشؤون الاقتصادية: من معاملات البنوك والمصارف، ومصير فوائد الأموال المودعة، والاعتمادات والحسابات الجارية، وكذلك مشاكل عقود التأمين، وأمور الزواج، ومشاكل الطلاق الثلاث، والطلاق المُعَلَّق وقضايا المسلمين والمسلمات في البلاد الأجنبية وأحوالهم...
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد ظهرت بوادر الصحوة الإسلامية، والتي تتجلى في عزم المسلمين على الرجوع إلى إسلام القرآن والسنة، لتحكيمهما في كل ما يستجد من أحداث ووقائع، مع الاستفادة من كل الحقائق التي تفيد الإنسان، والتي هي محصلة المسيرة التاريخية للحضارة الإنسانية المعاصرة.
لهذا كله فقد أدركت البشرية اليوم أن الشريعة الإسلامية هي الدواء الناجع لكل أمراضها ومشاكلها، وهي في بحثها عن المنقذ لها مما حاق بها من مشكلات إنما تبحث عن الإسلام دون أن تعرف حقيقته.
ومع أن الوحي الإلهي هو أساس التشريع الإسلامي وينبوعه الخصب، فإن الإسلام لم يترك العقل البشري هملاً، بل فتح الباب لإعمال هذا العقل في البحث والتخطيط واستنباط الأحكام من مصادرها، ووضع الحلول لكل القضايا المطروحة على الساحة الإنسانية، لأن الإسلام يحوي نظرة شمولية ترى أن البشر كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
ولقد جعل الله تبارك وتعالى مناط التكليف، وهو مصدر التكريم لبني آدم، وأكثر ما يظهر عمل العقل البشري، إنما هو في نطاق التعرف على أحكام الله في مجالين مهمين:
الأول: معرفة المقاصد والأهداف من مضمون النصوص الشرعية.
الثاني: استنباط واستخراج أحكام القضايا المستجدة مما لم يرد في حكمها نص شرعي صريح، ومعرفة الأحكام واستنباطها تارة يكون بالقياس، وأخرى بالاجتهاد الجماعي، وثالثة بالرأي الاجتهادي، وجميع صنوف هذه المعرفة تعتبر اجتهاداً يحث عليه الشرع.
ولهذا فإن الاجتهاد يعتبر حركة علمية بنائه في شرعنا، كما يعتبر مرتكزاً مهماً للحضارة الإسلامية، وسبيلاً واضحاً لتحقيق الغاية من البيان الإلهي، وإثبات عبودية الإنسان لله تبارك وتعالى، وأيضاً يُعَدُّ الاجتهاد طريقاً من طرق الحفاظ على خلود هذا الدين وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان.
يقول الإمام الشافعي - رحمه الله - في كتابه الرسالة: (كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه فإذا كان فيه بعينه حكم لزم إتباعه، وإذا لم يكن فيه حكم بعينه، طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق