السبت، 4 يناير، 2014

تعريف الحريّة



الحريّة: من المفاهيم، والمعاني الهامة التي أسيء فهمها واستخدامها، وحُمّلت معانيها على أكثر من معنى وتفسير .. كلمة ومفهوم " الحريّة "؛ حيث كل فريق، فسرها التفسير الذي يناسب هواه، ويحقق له مآربه ومصالحه، ولو كان ذلك على حساب مصالح الآخرين .. ومصلحة حرية الشعوب!
ولأهمية الحرية الراشدة في حياة الإنسان والدول .. وحاجة الناس إليها .. فقد استغلت استغلالاً سيئاً من قبل طغاة الحكم والساسة .. وبصورة تتنافى مع الحرية الحقة .. التي تنشدها الشعوب الواعية .. حيث في كثير من الأحيان يُصادرون الحريات، ويُحاربونها باسم الحرية .. فتارة يضيقونها من عند أنفسهم، وتارة يوسعونها .. بحسب ما تقتضي مصالحهم، وأهواؤهم!
فما هي الحرية التي نعنيها، ونريدها .. ويكفلها الإسلام لأهله، وللمجتمعات التي تخضع لحكمه وسلطانه؟ 
نعني بالحرية؛ الحرية التي تُطلق يد الخير، والحق، والعلم، والابداع .. إلى أقصى طاقاتها وحدودها الممكنة، من دون أدنى قيود أو رقابة .. كما قال تعالى:) وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ (التوبة:105. وقال تعالى:) وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الحج:77. كل الخير، وكل ما فيه خير لكم وللبشرية جمعاء، افعلوه .. واحرصوا على تحصيله، وتحقيقه. وقال تعالى:) وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى (المائدة:2. كل ما يدخل في البر والتقوى والصلاح .. تعاونوا عليه .. ولكم كامل الحرية في إنجازه.
نعني بالحرية؛ الحرية التي تحرر الإنسان من الذل، والخوف، والجهل، والعبودية للطواغيت الظالمين .. فمطلب تحرير الناس من الذل، والعبودية والتبعية للطواغيت الظالمين مطلب من مطالب الشريعة الغراء، ومقصد من مقاصد بعث الرسل والأنبياء، كما قال تعالى:) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ (النحل:36. وقال تعالى:) أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (التوبة:13. وقال تعالى:) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران:175. وقال تعالى:) وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (المنافقون:8.
نعني بالحريّة؛ الحريّة التي تُجرئ الناس على حرية التعبير البنّاء، والمراقبة، والمحاسبة، والنقد، والجهر بالحق، أمام سلاطين الجور، وكل من يخل بقوانين الحق والعدل .. فلا يخشون في الله لومة لائم .. كما قال تعالى:) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (الحجر:94. وقال تعالى:) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة:67.
وفي الحديث عن عبادة بن الصامت، قال:" بايعَنَا رسولُ الله على أن نقولَ بالحقِّ أينما كُنَّا لا نخافُ في اللهِ لومةَ لائم " متفق عليه.   
وقال r::" لا يمنعنَّ رجلاً  هيبةُ الناسِ أنْ يقولَ بحقٍّ إذا عَلِمَهُ؛ فإنَّه لا يُقرِّبُ من أجلٍ ولا يُبعدُ من رِزْقٍ "[[1]].
وقال r: " لا يَحْقِرَنَّ أحدُكم نَفسَه " قالوا: يا رسولَ الله كيف يَحقِرُ أحدُنَا نَفْسَه؟ قال:" يَرى أمراً للهِ عليه مقالاً، ثمَّ لا يَقولُ فيه، فيقولُ اللهُ U يومَ القيامة: ما منعَكَ أن تقولَ فيَّ كَذا وكذا؟
فيقول: خشيةَ النَّاسِ. فيقولُ: فإيَّايَ كُنتَ أحقَّ أن تخشَى "[[2]].    
نعني بالحريّة؛ الحريَّة التي تُحرر الإنسان من الضغوطات الخارجية، وعناصر الضغط والإكراه، التي تؤثر على اختياراته، وقراراته .. عساه بعد ذلك أن يُحسن الاختيار لنفسه فيم ينفعه في دينه ودنياه، قال تعالى:) لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة:256. وقال تعالى:) وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ (الكهف:29.
نعني بالحريّة؛ الحريّة التي منحها الله للإنسان منذ ولادته .. والتي منها حرية إتيان الحلال، وممارسة المباح، من غير حظر ولا منع، ولا مراقبة .. كما قال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (المائدة:87. وقال تعالى:) وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (النحل:116.
وفي هذا يقول الفاروق عمر t:" متى استعبدتم الناسَ وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ".
فالحرية بالنسبة للإنسان كالماء والهواء؛ فكما لا حياة للإنسان من غير ماء ولا هواء، كذلك لا حياة له حياةً كريمة وعزيزة سوية من غير حرية راشدة تمكنه من أن يُعطي عطاءه المرجو في هذه الحياة ... والدول التي لا يتمتع أبناؤها بقدر كاف من الحرية، وتصادر حرياتهم المشروعة، تتسم بالضعف، والجهل، والتخلف .. وانعدام الثقة بالنفس، وفيما بين أبناء المجتمع الواحد.
ما تقدم لا يعني .. أن الحرية كما هي في الإسلام ـ حاشاه ـ تضمن حرية المنكرات، والفساد، والفجور، والظلم، والعدوان، والكذب، والفحش في القول .. أو حرية الطعن بالله، وآياته، ورسله ـ كل رسله ـ صلوات الله وسلامه عليهم .. فالإسلام بريء من هذه الحرية، ومن دعاتها، والتي هي بالنقل والعقل تعني الفوضى، والخراب، والفساد، والهلاك، والدمار!
قال تعالى:) وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (المائدة:2. وقال تعالى:) قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (الأنعام:151. ما أجمل وأعظم هذه التوصيات .. لو عملت البشرية بها!
وقال تعالى:) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (الأعراف:33.
وقال تعالى:) وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة:190. فلا يمكن أن يمارس العدوان على الآخرين تحت عنوان ومسمى الحرية .. ونشر الحرية .. ثم بعد ذلك نزعم زوراً أن هذه الحرية حرية راشدة وسوية، يرغبها الناس!
وفي الحديث، فقد صح عن النبي r أنه قال:" مثَلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استَهَمُوا على سفينةٍ؛ فأصابَ بعضُهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً " البخاري.
قلت: ومثل السفينة في الحديث مثل المجتمعات والدول في حياة الناس .. فإن ترك القائمون على حدود الله المهمة المنوطة بهم ـ وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ المفسدين المخربين أن يُفسدوا في المجتمعات ويبثوا سمومهم وخرابهم وشرورهم ـ تحت ذريعة مسمى الحرية والديمقراطية ـ فحينئذٍ يهلك الجميع: الصالحون، والطالحون، وكل من يعيش في المجتمع  .. وأن أخذوا على أيديهم بالزجر والمنع والإنكار، نجوا جميعاً: الصالحون والطالحون، والمجتمعات التي يعيشون فيها.


[1] رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 168.
[2] قال المنذري في الترغيب: رواه ابن ماجه، ورواته ثقاة. وقال أحمد شاكر في العمدة 1/701: إسناده صحيح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق