الأحد، 12 يناير، 2014

بكون كل منهما يثبت ذاته لنفسه، كما يثبتها للآخر بواسطة الصراع من أجل الحياة والموت. إنهما مجبران بالضرورة على الانخراط في هذا

حلل قولة هيغل
يتحدد سلوك كل من وعيي الذات والانا  إذن، بكون كل منهما يثبت ذاته لنفسه، كما يثبتها للآخر بواسطة الصراع من أجل الحياة والموت. إنهما مجبران بالضرورة على الانخراط في هذا الصراع؛ لأنَّ على كل منهما أن يسمو بيقين وجوده إلى مستوى الحقيقة بالنسبة لذاته وبالنسبة إلى الآخر حلل وناقش

العلاقة مع الغير الصراع حتى الموت


وجود الغير ضروري للأنا:
يعتبر الفيلسوف الألماني هيجل أن الوعي هو أساس وجود الذات والآخر. ولقد ظهر الإنسان وجوديا وكينونيا مع ظهور الوعي والإدراك والعمل. ويتكون هذا الوعي من خلال العلاقات الجدلية الموجودة بين الفكر والواقع، وبين الذات والآخر، وبين الأنا والموضوع. ويعني هذا أن الإنسان يدرك وجوده وقيمته وكينونته من خلال وجود الآخر أو الغير باعتباره وسيطا ضروريا للذات.
ومن الأدلة القاطعة على ضرورة الغير بالنسبة للأنا لدى هيجل نظرية جدلية السيد والعبد. فكل من السيد والعبد يحاول كينونيا واجتماعيا وميتافيزيقيا أن يحقق وجوده وحياته وحريته عن طريق الصراع الجدلي والمخاطرة لتفادي الموت والاندثار. فالسيد لا يمكن أن يحافظ على مكانته الاجتماعية والمصيرية إلاَّ بالصراع مع العبد والانتصار عليه. وينطبق هذا على العبد الذي لا يمكن أن يحقق ذاته إلاَّ بالصراع مع السيد من أجل أن يفرض ذاته. والمقصود من هذا أن الصراع الجدلي هو السبيل الوحيد لتحقيق: الوعي والوجود الحقيقي للذات. ولا يتأتى هذا الوجود إلاَّ عبر الصراع مع الآخر. وبالتالي، فوجود العبد مقترن بوجود السيد، ووجود السيد أيضا مرتبط بوجود العبد.
وللتوضيح أكثر، فالسيد مرتبط بالعبد مرتين، والعبد بدوره رهين بالسيد مرتين. فالسيد يحس بالانتشاء والافتخار والزهو حينما يسمع العبد يسيده ويعلي من مكانته. ومن ثم، فالسيد في حاجة إلى العبد ليتحقق من مكانته الاجتماعية، ويتأكد من تميزه الطبقي. زد على ذلك أن السيد لا يمكن أن يعيش بدون العبد (الغير)، لأنه هو الذي يفلح أرضه ويزرعها، ويجد في توفير الطعام والشراب له، ويعينه على قضاء حوائجه وتحصيل مآربه.
والعبد بدوره يحس بفرح شديد حينما يعلم أن سيده لا يمكن أن يستغني عنه مادام أداة للإنتاج ووسيلة لتسييد مالكه. وفي نفس الوقت، يحس العبد أنه بدون سيده سيضيع هباء منثورا، ولن يجد ما يقتات به، ولا من يشغله ويؤويه، فالسيد هو الذي يتحكم في رزقه وعيشه ومستقبله.
وبناء على ما سبق، نرى أن السيد لا يمكن أن يستغني عن العبد، ولا العبد يستطيع أن يستغني عن السيد. وبالتالي، تترجم لنا هذه العلاقات التقابلية جدلية السيد والعبد وفلسفة الحياة والموت. ونستشف من كل هذا أن الغير ضروري بالنسبة للأنا أو الذات، ولا يمكن لها أن تعيش في غنى عن الغير كما قال ديكارت، بل الغير ضروري وواجب لوجود الأنا والذات على حد سواء كما يقول هيجل. وبالتالي، فإذا كان ديكارت فيلسوف واحدي وأنوي، فإن هيجل فيلسوف غيري يؤمن بضرورة وجود الآخر لتحقيق: كامل الوعي والإدراك الإنساني.
وفي هذا السياق يقول هيجل موضحا جدلية السيد والعبد ومؤكدا أهمية الغير في حياة الذات والأنا: (تتمثل عملية تقديم الذات لنفسها أمام الآخر بوصفها تجريدا خالصا لوعي الذات، في إظهارها أنها ليست متشبثة بالحياة. وهذه العملية مزدوجة: يقوم بها الآخر كما تقوم بها الذات. وأن يقوم بها الآخر معناه أن كلا منهما يسعى إلى موت الآخر. وأن تقوم بها الذات يعني أنها تخاطر بحياتها الخاصة. يتحدد سلوك كل من وعيي الذات (الفردين البشريين المتواجهيين) إذن، بكون كل منهما يثبت ذاته لنفسه، كما يثبتها للآخر بواسطة الصراع من أجل الحياة والموت. إنهما مجبران بالضرورة على الانخراط في هذا الصراع؛ لأنَّ على كل منهما أن يسمو بيقين وجوده إلى مستوى الحقيقة بالنسبة لذاته وبالنسبة إلى الآخر. فالمخاطرة بالحياة هي وحدها التي يتم، بواسطتها، الحفاظ على الحرية، وبها وحدها يقدم الدليل على أن وعي الذات ليس مجرد وجود، وليس موجودا على نمط مباشر مثل نمط وجود الأشياء...ولا انغماسا أو تشبثا بالحياة. صحيح أن الفرد الذي لم يخاطر بحياته، قد يعترف به كشخص، ولكنه لا يبلغ حقيقة الاعتراف به كوعي لذاته مستقل. كذلك يكون على كل فرد عندما يخاطر بحياته الخاصة أن يسعى إلى موت الآخر؛ لأنَّ الآخر لم يعد أسمي منه قيمة، وإنما تتجلى له ماهيته كآخر يوجد خارجا عن ذاته، وعليه أن يلغي وجوده الخارج عن ذاته)(3).
وهكذا، يرى هيجل عكس ديكارت أن الغير ضروري بالنسبة لوجود الأنا والذات على حد سواء، بيد أن العلاقة بينهما علاقة سلبية قائمة على العدوان والصراع الجدلي.
3- معرفة الغير:
من المعروف أن الأنا -باعتبارها ذاتا مفكرة ومدركة- تحاول أن تعرف موضوعا ما، وقد يكون موضوع المعرفة الذي تريد أن تعرفه الأنا أو الذات العارفة معطى مجردا أو معطى ملموسا حسيا، وقد يكون الموضوع المدرك معرفيا ذاتا أو شيئاً ماديا. وإذا كانت الذات العارفة تتسم بالحرية والوعي والإرادة والقصدية، فإن الغير المقابل -باعتباره موضوعا للمعرفة الذي يشبه المادة الخاضعة للدراسة والمراقبة- يفقد كل خصائصه الطبيعية والمكتسبة كالعقل والمعنى والحرية والإرادة. وبالتالي، يصبح موضوعا قابلا للتشييء والاستلاب من قبل الأنا العارفة المدركة.
هيجل يرى أن الغير وسيط ضروري بالنسبة للأنا ولوعيها الإدراكي والأنطولوجي والميتافيزيقي والاجتماعي والتاريخي والإنساني. ومن ثم، فالعلاقة بين الأنا والغير ليست إيجابية، بل هي علاقة سلبية قائمة على الصراع الجدلي القائم على مخاطرة الحياة والموت، ولا يمكن لأي واحد منهما أن يحافظ على حياته وبقائه إلاَّ عبر الصراع الجدلي الذي يعطينا في الأخير منتصرا ومنهزما، ويفرز لنا اجتماعيا وطبقيا ثنائية السيد والعبد



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق