الاثنين، 3 مارس، 2014

العولمة في العصر الحديث اثار العولمة



العولمة في العصر الحديث

تعد العولمة منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية نتيجة بارزة لتخطيط القادة السياسيين الهادف إلى إزالة الحدود التي تعرقل التجارة بين الدول سعيًا وراء زيادة معدلات الرخاء الاقتصادي واعتماد الدول على بعضها البعض؛ وبذلك تقل فرصة وقوع أي حروب في المستقبل. وقد أدت مساعي هؤلاء القادة السياسيين إلى عقد مؤتمر بريتون وودز والتوصل إلى اتفاقية من قبل الساسة البارزين في العالم لوضع إطار محدد بالنسبة للشئون المالية والتجارية الدولية وتأسيس العديد من المؤسسات الدولية للإشراف على تطبيق العولمة كما يجب. وتتضمن هذه المؤسسات الدولية البنك الدولي للإنشاء والتعمير (المعروف اختصارًا باسم البنك الدولي) وصندوق النقد الدولي. وقد تم تسهيل تطبيق العولمة بالاستعانة بما تم التوصل إليه من تقدم تكنولوجي، والذي عمل على تقليل تكاليف التجارة والجولات الخاصة بمفاوضات التجارة تحت رعاية الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات)، والتي أدت إلى التوصل إلى مجموعة من الاتفاقيات لإزالة الحواجز والمعوقات المفروضة على التجارة الحرة.
لقد تم تقليل الحواجز التي تعترض التجارة الدولية بشكل كبير منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية من خلال العديد من الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية الجات. وقد تم تنفيذ مبادرات خاصة كنتيجة للتوصل إلى اتفاقية الجات؛ حيث تم الاتفاق وقتئذٍ على إنشاء منظمة التجارة الدولية، على أن تكون اتفاقية الجات هي الأساس لإنشائها في هذا الصدد. وقد تضمنت هذه المبادرات ما يلي:
إن العولمة الثقافية - التي سادت في العالم بفضل تكنولوجيا الاتصالات والتسويق العالمي لمختلف مجالات الثقافة الغربية – تم إدراكها في البداية كعملية تهدف إلى تحقيق التجانس بين الثقافات؛ حيث اتضح جليًا مدى هيمنة الثقافة الأمريكية في العالم على حساب التنوع التقليدي للثقافات الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، فإنه سرعان ما ظهر تيار مضاد وأصبح واضحًا مع ظهور تلك الحركات المناهضة للعولمة والتي أعطت المزيد من الاهتمام إلى الدفاع عن مبادئ التميز المحلي والتأكيد على الفردية والهوية الذاتية ولكن دون جدوى.[14]
إن مفاوضات جولة أوروجواي (المنعقدة من عام 1986 إلى عام 1994) [15] أدت إلى التوصل إلى اتفاقية بتأسيس منظمة التجارة الدولية لتهدئة الصراعات التجارية ووضع برنامج موحد للتجارة. أما عن الاتفاقات التجارية الثنائية ومتعددة الأطراف الأخرى - والتي تتضمن بنودًا من معاهدة ماستريخت واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية – فقد تم توقيعها أيضًا بهدف تقليل الحواجز وخفض التعريفات الجمركية على الأنشطة التجارية. من ناحية أخرى، ترتبط الصراعات العالمية - مثل الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من سبتمبر – بمدى انتشار العولمة؛ نظرًا لأنها مثلت الدافع الأولي للحرب على الإرهاب في العالم، الأمر الذي أدى إلى تلك الزيادة المستمرة في أسعار البترول والغاز بسبب أن معظم الدول الأعضاء في منظمة الأوبك من الدول الواقعة في شبه الجزيرة العربية. [16] جدير بالذكر أن نسبة الصادرات العالمية قد ارتفعت من 8.5 في المائة من إجمالي الناتج العالمي في عام 1970 إلى 16.1 في المائة من إجمالي الناتج العالمي في عام 2001.

آثار العولمة

للعولمة العديد من الجوانب التي تؤثر على العالم بأكمله بعدة طرق مختلفة منها:
  • على المستوى الصناعي : إنشاء أسواق إنتاج عالمية وتوفير المزيد من السهولة بصدد الوصول إلى عدد كبير من المنتجات الأجنبية بالنسبة للمستهلكين والشركات، فضلاً عن سهولة انتقال الخامات والسلع داخل الحدود القومية وبين الدول بعضها البعض. [بحاجة لمصدر]
  • على المستوى المالي : إنشاء الأسواق المالية العالمية وإتاحة مزيد من السهولة واليسر بصدد حصول المقترضين على التمويل الخارجي. ولكن مع نمو وتطور هذه الهياكل العالمية بسرعة تفوق أي نظام رقابي انتقالي، زاد مستوى عدم استقرار البنية التحتية المالية العالمية بشكل كبير – وهو ما اتضح جليًا في الأزمة المالية التي حدثت في أواخر عام 2008. [بحاجة لمصدر]
  • على المستوى الاقتصادي : إنشاء سوق عالمية مشتركة تعتمد على حرية تبادل السلع ورءوس الأموال. وعلى الرغم من ذلك، فإن ترابط هذه الأسواق يعني أن حدوث أي انهيار اقتصادي في أية دولة قد لا يمكن احتواؤه. [بحاجة لمصدر]
  • على المستوى السياسي : استخدم بعض الأشخاص مصطلح "العولمة" للإشارة إلى تشكيل حكومة عالمية تعمل على تنظيم العلاقات بين الحكومات وتضمن الحقوق المترتبة على تطبيق العولمة الاقتصادية والاجتماعية. فمن الناحية السياسية، تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بمركز قوة كبير بين قوى العالم أجمع بسبب قوة اقتصادها وما لديها من ثروة وفيرة. ومع تأثير العولمة وبمساعدة اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، استطاعت جمهورية الصين الشعبية أن تشهد تطورًا ونموًا كبيرًا في غضون العقد الماضي. وإذا ما واصلت الصين هذا النمو بمعدل مخطط له لمواكبة الاتجاهات الاقتصادية، فإنه من المحتمل جدًا في غضون العشرين عامًا القادمة أن تحدث حركة كبرى لإعادة توزيع مراكز القوة بين قادة العالم. وسوف تتمكن الصين من امتلاك الثروة الكافية والتمتع بازدهار المجال الصناعي بها واستخدام أحدث الوسائل التكنولوجية لكي تنافس الولايات المتحدة الأمريكية على زعامة العالم.[19]
  • على المستوى المعلوماتي : زيادة كم المعلومات الذي يمكن انتقاله بين المناطق البعيدة من الناحية الجغرافية. ومع أن هذا الأمر يعد مثار الجدل والنقاش، فإنه يعتبر بمثابة تغير تكنولوجي مصحوبًا بظهور وسائل الاتصال المعتمدة على الألياف البصرية والأقمار الصناعية وإتاحة التواصل عن طريق الهاتف والإنترنت بشكل كبير.
  • على المستوى اللغوي : تعتبر اللغة الإنجليزية هي الأكثر انتشارًا وتداولاً في العالم أجمع كما يلي:[20]
    • تتم كتابة حوالي 35 في المائة من رسائل البريد والتليكس والتلغراف باللغة الإنجليزية.
    • تتم إذاعة 40 في المائة تقريبًا من برامج الراديو في العالم باللغة الإنجليزية.
·          
    • يتم تدفق حوالي 50 في المائة من البيانات عبر شبكة الإنترنت باللغة الإنجليزية.[21]
  • على المستوى التنافسي : يستوجب الاستمرار في الأسواق العالمية الجديدة للأعمال والتجارة زيادة معدلات التنافس وتحسين الإنتاجية. ونظرًا لأن السوق قد أصبحت عالمية، فإنه يتعين على الشركات المتخصصة في العديد من المجالات تحسين منتجاتها واستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة بمهارة لمواجهة معدلات التنافس المتزايدة.[22]
  • على المستوى البيئي : ظهور تحديات بيئية عالمية قد لا يتم مواجهتها والتصدي لها إلا بالتعاون الدولي. تتمثل هذه التحديات في تغير المناخ وصراع الدول على حدود المياه وتلوث الهواء ومشكلة الصيد الجائر للأسماك في المحيطات وظهور كائنات غريبة واجتياحها للبيئة. لذا، فإنه منذ أن تم تأسيس الكثير من المصانع في الدول النامية دون اتباع لوائح وقوانين البيئة كما ينبغي، فقد تتسبب العالمية وكذلك التجارة الحرة في زيادة معدلات التلوث. على الجانب الآخر، فإن التنمية الاقتصادية تطلبت من الناحية التاريخية مرحلة صناعية لم تكن آمنة من التلوث على الإطلاق. وقد ثار جدل بصدد عدم وجوب منع الدول النامية من زيادة مستوى معيشتها من خلال اتباع مثل هذه اللوائح والقوانين.
  • على المستوى الثقافي : تطورت قنوات الاتصال الثقافية المشتركة بين الدول وظهرت صور جديدة من التأكيد على الوعي والهوية التي تجسد مدى انتشار التيار الثقافي والرغبة في زيادة مستوى معيشة الفرد والتمتع بالمنتجات والأفكار الأجنبية الأخرى واتباع الوسائل والأساليب التكنولوجية الحديثة والمشاركة في الثقافة العالمية. ومع ذلك، فإن بعض الأشخاص تتملكهم بالفعل مشاعر الحزن والحسرة على زيادة معدلات الاستهلاك في العالم واندثار العديد من اللغات. انظر أيضًا Transformation of culture. أما عن التغيرات التي أحدثتها الثقافة في العالم فهي تتمثل في الآتي ذكره:
انتشار التعددية الثقافية وإمكانية وصول الفرد بشكل أفضل لشتى صور التنوع الثقافي (من خلال ما يتم مشاهدته في أفلام "هوليوود" و"بوليوود" على سبيل المثال). ولكن من ناحية أخرى، يعتبر البعض أن الثقافة الواردة إلينا من الخارج (أو ما تسمى بالثقافة المستوردة) تمثل خطرًا كبيرًا منذ احتمال أن تحل محل الثقافة المحلية، مما يتسبب في حدوث انخفاض في معدلات التنوع واستيعاب كل ما هو جديد من الثقافات بشكل عام. على الجانب الآخر، يعتبر آخرون أن التعددية الثقافية أمر مفيد من أجل تعزيز السلام وسبل التفاهم بين الشعوب.
·          
    • زيادة الإقبال على السفر والسياحة في العالم؛ حيث قدرت منظمة الصحة العالمية عدد الأشخاص الذين دومًا ما يقومون برحلات جوية في أي وقت ووجدت أنهم يشكلون أكثر من 500,000 شخص.[23]
    • زيادة معدلات الهجرة، بما فيها الهجرة غير الشرعية
·          
    • انتشار المنتجات المحلية الخاصة بالمستهلك (مثل المواد الغذائية) في الدول الأخرى (وفقًا لثقافتها)
    • انتشار بعض الألعاب العالمية، مثل: البوكيمون Pokémon والسودوكو Sudoku وNuma Numa والأوريجامي Origami، والتردد على بعض المواقع العالمية مثل: Idol series وYouTube وOrkut وFacebook وMyspace. وإمكانية الوصول إليها بسهولة بالنسبة لكل من يتوفر لديهم إنترنت وتليفزيون، مع ترك فئة كبيرة من سكان الأرض.
    • انتشار الأحداث الرياضية العالمية مثل كأس العالم لكرة القدم ودورة الألعاب الأوليمبية.
    • اندماج الشركات متعددة الجنسيات وتحويلها إلى شركات جديدة.
وكأحد رعاة فريق All-Blacks لرياضة الركبي، قامت شركة Adidas بإنشاء موقع ويب محاكي مزود بلعبة ركبي تفاعلية يمكن تنزيلها من أجل محبي ومشجعي اللعبة لممارستها على جهاز الكمبيوتر والتنافس عليها.[24]
  • على المستوى الاجتماعي : تطوير المنظمات غير الحكومية كممثلين رئيسيين للسياسة العامة الدولية المتضمنة الجهود التنموية والمساعدات الإنسانية.
  • على المستوى التقني والفني :
·          
·          
  • على المستوى القانوني/الأخلاقي :
·          
·          

التأثير الثقافي للعولمة

عملت شبكة الإنترنت على إزالة الحدود الثقافية عبر مختلف دول العالم عن طريق إتاحة اتصال سهل وسريع بين الأفراد في أي مكان عن طريق مختلف أجهزة الإعلام والوسائل الرقمية. وترتبط شبكة الإنترنت بالعولمة الثقافية لأنها تتيح التفاعل والتواصل بين الأفراد من مختلف الثقافات وأساليب الحياة. كذلك، تسمح مواقع الويب التي يتشارك فيها الأفراد صورهم بمزيد من التفاعل حتى ولو كانت اللغة تشكل عائقًا أمامهم. فقد أصبح من الممكن بالنسبة لأي شخص في أمريكا أن يتناول النودلز اليابانية على الغداء. كما أصبح من الممكن بالنسبة للقاطن مدينة سيدني في أستراليا أن يتناول الطعام الأكثر شعبية في إيطاليا ألا وهو كرات اللحم. ومن ثم، فقد أصبح الطعام يشكل مظهرًا واحدًا من مظاهر الثقافة المتعددة والمتأصلة بأية دولة. فالهند، على سبيل المثال، تشتهر بالكاري والتوابل الغريبة، أما باريس فتشتهر بمختلف أنواع الجبن، في حين تشتهر الولايات المتحدة الأمريكية بالبرجر والبطاطس المحمرة. قديمًا، كان الطعام المقدم في مطاعم ماكدونالدز هو الطعام المفضل لدى الأمريكيين فقط بصورته المبهجة الباعثة على الحظ وكذلك بوجود شخصية رونالد دائمة الظهور في إعلانه وألوانه الحمراء والصفراء المعروفة ووجباته السريعة المتعددة الشهية. أما الآن، فقد أصبح هذا المطعم مطعمًا عالميًا؛ حيث أضحى له 31,000 فرع حول العالم بما فيها الكويت ومصر ومالطا. ومن ثم، يعد هذا المطعم خير مثال على انتشار الطعام على أساس عالمي. كذلك، يعد التأمل من الأساليب التي تلقى احترامًا وتقديسًا منذ قرون في الثقافة الهندية. فالتأمل يعمل على تهدئة الجسم ويساعد المرء في إدراك ذاته الداخلية وتجنب أي وضع يضر بها. قبل العولمة، كان الأمريكيون لا يمارسون تمارين التأمل أو اليوجا. لكن بعد العولمة، أصبح التأمل أسلوبًا شائعًا بينهم حتى أنه اعتبر طريقة مواكبة للحداثة للمحافظة على الرشاقة. حتى أن بعد الأشخاص يسافرون إلى الهند لكي يحصلوا على الخبرة الكاملة في هذا الصدد بأنفسهم. من ناحية أخرى، يعتبر الوشم المتخذ شكل الرموز الصينية من الأساليب الأخرى الشائعة التي ساهمت العولمة في انتشارها. فهذه الرسوم والأشكال تعتبر تقليعة شائعة بين جيل الشباب في هذه الأيام، كما أنها سرعان ما أصبحت سلوكًا معتادًا ومتعارفًا عليه بينهم. ومع امتزاج الثقافات، أصبح استخدام لغة دولة أخرى في أحاديث الأفراد أمرًا عاديًا. يتم تعريف الثقافة بأنها مجموعة من أنماط الأنشطة الإنسانية والرموز التي تمنح هذه الأنشطة تلك الأهمية.
فالثقافة تعبر عما يتناوله الأفراد من طعام، وما يرتدونه من ملبس، كما أنها تعبر عن المعتقدات والأفكار التي يتبعونها والأنشطة التي يمارسونها. إن العولمة قد عملت على الربط بين الثقافات المختلفة وقامت بتحويلها إلى شيء مختلف وفريد من نوعه. وكما تم التصريح من جانب "إيرلا زوينجل" في إحدى مقالات مجلة National Geographic تحت عنوان "العولمة": "عندما تستقبل الثقافات مختلف التأثيرات الخارجية، فإنها تستوعب بعضها وترفض البعض الآخر منها؛ ثم تعمل بعدها فوريًا على تحويل ما تم استيعابه." [26]


عوامل وآليات انتشار العولمة

إلى جانب أن العولمة تعكس مظهرا أساسيا من مظاهر التطور الحضاري الذي يشهده عصرنا، هي أيضا إيديولوجيا تعبر بصورة مباشرة، عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته. وقد تظافرت مجموعة من العوامل المساعدة والمسهلة لنشر و تغلغل الفكر ونمط العيش الأمريكي من بينها
1
استعمال السوق العالمية أداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية، في نظمها وبرامجها الخاصة بالحماية الاجتماعية.-
2
اتخاذ السوق والمنافسة التي تجري فيها مجالا لـ"الاصطفاء"، بالمعنى الدارويني للكلمةأي وفقا لنظرية داروين في "اصطفاء الأنواع والبقاء للأصلح". وهذا يعني أن الدول والأمم والشعوب التي لا تقدر على "المنافسة" سيكون مصيرها ، بل يجب أن يكون، الانقراض.
3
إعطاء كل الأهمية والأولوية للإعلام لإحداث التغييرات المطلوبة على الصعيد المحلي والعالمي، باعتبار أن "الجيوبوليتيك"، أو السياسة منظورا إليها من زاوية الجغرافيا، وبالتالي الهيمنة العالمية، أصبحت تعني اليوم مراقبة "السلطة اللامادية"، سلطة تكنولوجية الإعلام التي ترسم اليوم الحدود في "الفضاء السيبرنيتي": حدود المجال الاقتصادي السياسي التي ترسمها وسائل الاتصال الإلكترونية المتطورة
 تجليات العولمة الثقافية
يتمظهر تأثير العولمة في مختلف المستويات الإجتماعية من خلال آليات الاشتغال التي تتأسس عليها العولمة كمفهوم وأدوات معرفية متساوقة مع مجمل السياسات المعبرة بنيوياً عن مضمونها، والمنعكس موضوعياً على الكل العام في سياق متفاوت بحكم التباين الموضوعي في سياق التطور الدولي .
إن ما تروج له المؤسسات الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية المشتغلة على تكريس هيمنتها على السياسات العالمية بما يتناسب مع مصالحها الحيوية والإستراتيجية ينعكس بشكل مباشر على المستوى الثقافي محدثاً تأثيرات مختلفة ومتنوعة في إطار العمل المنظم لتشكيل وعي ثقافي يؤسس لهيمنة تقودها الشركات الكبرى والتحالفات الدولية من خلال نشر أشكال ثقافية مضمونها الحرية الفردية المتكيفة مع حرية السوق والمنافسة الحرة المحكومة بزيادة معدلات الربح المؤدية آليا لتزايد حدة الاستقطاب الكوني. لهذا فإن الخطاب الثقافي الذي تروج له المؤسسات الإعلامية الغربية يعاني من تناقض جوهري بين مفهوم الديمقراطية ببعديها السياسي والتنموي وبين الديمقراطية القائمة على مفهوم الممارسة الشكلية للحرية السياسية الفردية في ظل الحرية المطلقة لرأس المال، والمحكومة بممارسة سياسية وفق أطر جيوبوليتيكية محلية لم ترتقي لتكون معولمة إلا من زاوية خدمتها لحركة رأس المال المنتج في سياق حركته العامة للتفاوت والتناقض الطبقي الكوني . ليتوضح جلياً بأن الخطاب الثقافي الإيديولوجي المعولم يتأسس على الفصل القسري بين المستويين السياسي و الإقتصادي .
إن اعتماد العولمة على التقانة الفائقة التطور والسرعة الهائلة في نقل المعلومات يساهم بشكل ملحوظ في المساهمة بتكوين ثقافة ذات طابع معولم وتحديداً بعد تراجع التأثير الثقافي للمنظومة السوفيتية . ويبدو جلياً بأن الثقافة المراد ترويجها عالمياً من خلال غطاء ويافطة ديمقراطية تهدف بشكل مباشر لتأمين المصالح الحيوية للدول صاحبة المصلحة والتي تتقاطع بجوانب متعددة ومتنوعة مع مصالح الكثير من النخب الحاكمة حتى لو ادعت الجهات المعنية رفضها ومعاداتها لأشكال الثقافة الشمولية، وتتمظهر الثقافة المراد ترسيخها واقعياً بسمات واضحة من أبرزها نشر وترويج ثقافة العنف والجنس ...التي تساهم بنشر وتوسيع الانحلال الأخلاقي والفساد الإجتماعي والتفكك الأسري .. إضافة إلى تكريس وعي ثقافي استهلاكي بعيداً كلياً عن الإشكاليات التي يعاني منها المواطن والناتجة عن انعكاسات السياسات الدولية وصولاً لتشكيل إنسان جديد تتأسس ثقافته على القضايا السطحية والهامشية بعيداً عن قضاياه الأساسية ، وتتقاطع في هذه النقطة تحديداً الممارسة السياسة لبعض النخب الحاكمة والتي تعتمد في سيطرتها السياسية علي ترسيخ مفهوم الولاء والطاعة والتهميش... من خلال ربط المواطن بالمؤسسات الرسمية الداعمة لإستمرارهيمنتها الطبقية .
أما الجانب الأهم في الثقافة المعولمة والذي يعتبر أحد سمات النظام الرأسمالي بمختلف مراحله فأنه يتجلى في تسليع وتشييئ الإنسان باعتباره بضاعة في أسواق المنافسة الحرة، فهو من منطلق حريته الشخصية الشكلية والوهمية حر في بيع قوة عمله لأي مستثمر كان شريطة الرضوخ للقوانين العامة والأساسية التي يعتمدها النظام الرأسمالي الراهن .وتنعكس هذه الأشكال من الممارسة الإيديولوجية بطبيعة الحال على المستوى العالمي مع تزايد هيمنة النظام الرأسمالي عالمياً .
إن الابتعاد المؤدلج والتجاهل القائم على وعي ثقافي محدد بشروط المرحلة الراهنة يبتعد كلية عن الجذور الأساسية لإشكاليات النظام الرأسمالي الراهن وانعكاساته السلبية مما يساهم موضوعياً في نشوء أشكال من الثقافة المتطرفة التي تعتمد أشكال المواجه العنفية للمعطيات الموضوعية القائمة على التفاوت الطبقي الصارخ والمرتبط بشكل ملموس مع محاولات باتت واضحة لتقطيع واستئصال الأشكال الثقافية الوطنية والقومية ذات الخصوصية والتي تعكس سمات وعي المنطقة المحددة ، والذي يقود في السياق العام لتطورها إلى القضاء على الهويات الثقافية للشعوب .
إن ما تقوم به الإدارة الأمريكية بوصفها القائد الفعلي لحركة التاريخ الراهنة يستهدف بشكل مباشر القضاء على بعض الأشكال الثقافية السائدة باعتبارها ثقافات أصولية تعتمد في ممارستها السياسية المعبرة عن مضمون بنيتها النظرية والمعرفية أشكالاً عنفية ، متناسية بأنها هي من عزز هذه الأشكال من الوعي الثقافي المتطرف خدمة لسياساتها في مرحلة الحرب الباردة ، ويتزايد هذا التأثير بعد تراجع فاعلية المنظومة السوفيتية والأنظمة المرتبطة بها، والتي أسست بالمقابل وعياً ثقافياً قائماً على تغييب الحريات السياسية . إن السياسات الثقافية الأمريكية وتحالفاتها الراهنة لا تهدف إلى إقامة نظام عالمي ديمقراطية بل لترسيخ ثقافة جديدة تتجلى سماتها عموماً بالعودة بالمجتمعات البشرية إلى ثقافات ما قبل الوطنية تتأسس على أشكال من الوعي الإثني ،الطائفي ،العشائري ،الجهوي ... أي العودة بالمجتمعات الإنسانية إلى مكوناتها الأساسية الأولية ، وهكذا مشروع يترسخ بشكل واضح من خلال الممارسة السياسية القائمة على تفتيت البنى الإجتماعية الإقتصادية و السياسية والثقافية وإخضاعها لمصالح الأطراف المتنفذة .
إن تعثر وعجز الكثير من الدول المتخلفة والهامشية فيما مضى عن تنمية وتطوير هويتها الثقافية الخاصة بها ، رغم توفر بعض الشروط المناسبة آنذاك ، قادها في اللحظة الراهنة لمواجهة غير متكافئة مع الكثير من الأطراف الدولية المهيمنة بشكل مباشر على مختلف وسائط التأثير والتغيير في ظل شروط عالمية تعجز فيها النخب الحاكمة عن ضبط التأثيرات العولمية السلبية ، مما يساهم في تعزيز البنى الثقافية السلفية وتحديداً الدينية منها ، ليتمظهر بشكل واضح التقوقع والانكفاء على الذات المحلية ، والعودة إلى الماضي في محاولات يائسة ومتكررة لاستنهاضه في مواجهة الإشكاليات الراهنة القائمة على إعادة تقسيم العالم بناءً على التشكيلات الحضارية وفق منظور ثقافوي يوظف الانتماءات الدينية والمذهبية خدمةً لمشروعه السياسي المعولم ، لإظهار أشكال الصراع والتناقض الدولي الراهن على أنه صراع حضاري وثقافي لتكريس التفوق الغربي المسيحي في مواجهة الحضارات الأخرى ، والمتساوق مع تغييب دورها في إعاقة النمو الطبيعي للكثير من الدول في الحقب الاستعمارية.
إن الانتشار المتزايد للوعي الديني يترافق مع تراجع تأثير القوى العلمانية بمختلف تلاوينها ... بعد مرحلة تقاطعت فيها وما زالت مصالح النخب المسيطرة وبعض الجهات الخارجية في تهميش القوى العلمانية ،مما قاد إلى تفريغ هذه المجتمعات من تطور بذور الوعي العلمي والحداثي ، ليتوضح جلياً التوظيف السياسي لأشكال التمظهرات الثقافية الراهنة لدعم مصالح النخب السياسية المهيمنة وتأبيد سيطرتها ، في توافق واضح لتشويه أشكال ومضامين الصراع الراهن وإظهارها بأشكال تتنافى مع مضامينها الحقيقية .
بيد أن تأثير الإنعكاسات الراهنة للسياسات الدولية القائمة على توسيع وتعميق الإستقطاب الإجتماعي تؤول بسياق تطورها العام إلى ظهور أشكال متطورة من الوعي الثقافي والسياسي المناهض في أهدافه العامة والأساسية لمجل التناقضات الناتجة عن الممارسات السياسية والإقتصادية للنظام الدولي الراهن ويختلف عمق هذا الوعي وتطوره تبعاً للظروف الخاصة لكل بلد ، وتعتبر دول العالم الأول والثاني المركز الرئيسي لأغلب الحركات المناهضة للعولمة مشكّلة بداية تجليات ولادة فكر إنساني جديد هدفه الأسمى تحقيق إنسانية الإنسان المتحرر من قيوده الراهنة للوصول إلى مجتمعات إنسانية تقوم على الديمقراطية والعدالة الإجتماعية ، متساوقة بذلك مع باقي الحركات الإجتماعية في إطار أهدافها العامة .
إن تمحور وتمركز هذه الحركات في بلدان محددة لا يلغي بطبيعة الحال دور الدول الأخرى،لكن اختلاف المهمات المطروحة على التيارات الإجتماعية والضعف العام الذي تعاني منه لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية ، إضافة إلى هامشية هذه البلدان وانعدام فاعليتها في سياق سيرورة الحركة التاريخية يبقيها على حافة الخروج من التاريخ . إن المسؤولية الأساسية في هذا الجانب تقع على عاتق النخب السياسية الحاكمة المترابطة في ممارستها السياسية مع الميول العامة للرأسمالية المعولمة ، مما يجعل هذه البلدان مهيأة لانتشار الحركات الراديكالية المهيأة للتحول في سياق تطورها إلى حركات عنفية يختلف أدائها الوظيفي باختلاف المناخ السياسي .
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق