الاثنين، 24 مارس، 2014

التحليل الفقهي لمصطلح الحسبة في الاسلام



التحليل الفقهي لمصطلح الحسبة
تعددت تعريفات الحسبة الاصطلاحية تبعا لمدلولاتها اللغوية ، فقد عرفها جمهور الفقهاء بأنها أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله.[1]وأضاف الشيزري[2]وابن الأخوة[3]  في تعريفهما وإصلاح بين الناس  واعتقد أنهما لم يضيفا جديدا على تعريف الجمهور ، وهو يشمل كل ما أمر الشارع الحكيم به على سبيل الوجوب أو الندب ،كما يشمل كل ما نهى عنه الشارع الحكيم ،ويدخل في كل ذلك العقائد والعبادات والمعاملات. وقال ابن خلدون[4] في تعريف الحسبة : بأنها وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي  عن المنكر." [5] ،ويلاحظ أن هذه التعريفات تتقارب مع وضوح ، وإطلاق تعريف الجمهور.ثم يأتي تعريف  ابن تيميه[6]للحسبة من خلال تعريفه للمحتسب ومن ثم وضعه معيارا عاما يميز بين اختصاصاته واختصاصات الولاة والقضاة فيقول : " أما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من اختصاص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم."[7] وهذا التعريف يلاحظ فيه أمران وهما:  الاختصاص والتقييد وهو ما ذهب إليه تلميذه الإمام ابن القيم[8]، حيث قال : " الحكم بين الناس في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى هو المعروف بولاية الحسبة وقاعدته وأصله هو الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر."[9]  ويأتي تعريف آخر مختصر وهو للإمام الغزالي[10]يقول فيه : " الحسبة عبارة شاملة للأمر بالمعروف  والنهى عن المنكر ." وقريب من هذا ما ذكره السماني في قوله  الحسبة في الشريعة : أمر عام تتناول كل مشروع يفعل لله تعالى ، كالآذان والإقامة ، وأداء الشهادة مع كثرة تعدادها ،  ولهذا قيل القضاء باب من أبواب الحسبة ، وقيل القضاء جزء من أجزاء الاحتساب "[11]وعرف الحسبة صاحب كشف الظنون تعريفا معتمدا على تبيان مهامها واختصاصاتها العامة من واقع فاعليتها في المجتمع ،   فقال :" علم الاحتساب :علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم التي لايتم التمدن بدونها من حيث إجراؤها على القانون المعدل ، بحيث يتم التراضي بين المتعاملين ، وعن سياسة العباد بنهي عن المنكر وأمر بالمعروف ، وحيث لا يؤدي إلى مشاجرات وتفاخر بين العباد بحيث ما رآه الخليفة من الزجر والمنع ومباديه،بعضها نقص ،وبعضها أمور استحسانية ناشئة عن رأي الخليفة."[12] وهذا التعريف ربما قصد منه الحسبة التي توليها الدولة اهتماما ،فهو بذلك قصر الحسبة على الولاية ولا يدخل في هذا التعريف المحتسب المتطوع الذي يباشر الحسبة دون إذن الوالى.   
    فقد تبين مما سبق أن المعنى الاصطلاحي للحسبة لا يقتصر على تغيير المنكر الظاهر فحسب  وإنما يشمل كل ما يفعل ويراد به ابتغاء مرضاة الله تعالى كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصدقة والأذان ، والإقامة وأداء الشهادة ، والجهاد في سبيل الله ، وجميع أنواع البر ، ويؤيد ذلك العديد من الشواهد القرآنية والنبوية ، منها قول الله تعالى}وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ{[13] وقوله تعالى:} وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{ [14] وقوله تعال: } وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ{  [15]، ومعنى الاحتساب في الاصطلاح الشرعي : هو (الأمر بالمعروف إذا تُرك، والنهي عن المنكر إذا فُعل .
خلاصة القول : أن الحسبة تمثل الرقابة التطبيقية العامة على قيم المجتمع الإسلامي ، باعتبارها وظيفة دينية خلقية وقاعدتها وأصلها هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما قال بن القيم : وهي صفة وصف الله بها هذه الأمة ، وفضلها من أجل ذلك على سائر الأمم.[16] فقال الله تعالى : } كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون{ [17] وهذا الأمر الإلهي الخاص بالأمة الإسلامية  يدخل فيه جميع ما أمر الله به وكلّ أنواع البر وهو من الاحتساب ، و المنكر تدخل فيه كل المعاصي المخالفة لقواعد الشريعة ونظامها ومن هنا يأتي التداخل بين مفهوم الحسبة وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


[1]  ـ- الأحكام السلطانية للما وردي، 240
[2] ـ الشيزري هو : عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله العدوى الشيزري  ت 589 هـ  له العديد من المؤلفات منها : نهاية الرتبة في طلب الحسبة ، والنهج المسلوك في سياسة الملوك ، والإيضاح في أسرار النكاح  وغيرها . انظر : البغدادي : هدية العارفين 1/528 ، وكشف الظنون : لحاجي خليفة 1/209 .
[3]- ابن الأخوة هو محمد بن محمد بن أحمد بن أبي زيد بن الأخوة القرشي ضياء الدين المحدث  729 هـ صاحب كتاب معالم القربة في أحكام الحسبة . انظر : ابن حجر : الدرر الكامنة 4/168 ،  الأعلام ،للزركلي 7 /263 .
[4] ـ ابن خلدون هو : عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الحضرمي ، الإشبيلي الأصل ثم التونسي ثم القاهري ولد سنة 732 هـ وتوفي سنة 808 هـ. من اشهر مؤلفاته كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم البربر ، انظر :شذرات الذهب ،ابن العماد 7/76، والضوء اللامع للسخاوى 4/145 وكشف الظنون لحاجي خليفة  2/278.
[5]  - المقدمة  لابن خلدون ، 249 مصدر سابق.
[6] - ابن تيمية هو : أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ، الحرانى ، الدمشقي الحنبلي من أعلام الإسلام له العديد من المؤلفات منها: مجموع الفتاوى  والحسبة في الإسلام وغيرهما من المصنفات النفيسة  ت 728 هـ  انظر : الذيل على طبقات الحنابلة ،لابن رجب  4/29 ، والبداية والنهاية  لابن كثير 14/ 234 ، والأعلام ،للزركلى  4/29
[7] ـ - الحسبة في الإسلام لابن تيمية  15.
[8]- الإمام ابن القيم هو : أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبى بكر الزرعي ، الدمشقي ، الحنبلي  المتوفى751 هـ وله العديد من المؤلفات ، منها : إعلام الموقعين ، والطرق الحكمية في السياسة الشرعية وغيرهما ، انظر :  البداية والنهاية لابن كثير 14/234 ، والأعلام للزركلى 6/ 56 .
[9]- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم 232 /مطبعة السنة المحمدية/1372-1953م.
[10] - الإمام الغزالي هو : محمد بن محمد بن محمد الغزالي  من أعلام الإسلام الذين جمعوا بين المنقول والمعقول ، وله نحو مائتي مصنف ، منها :  إحياء علوم الدين والمستصفى ، والمنخول   وشفاء الغليل وغيرها من التصانيف القيمة ،( ت505 هـ) انظر : الطبقات ، للسبكي 6/191 ، والأعلام للزركلى 7/247 .
[11]- نصاب الاحتساب 84 ،مصدر سابق 
[12] - كشف الظنون في معرفة أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة  1/665 / منشورات مكتبة المثنى / بغداد /دون تاريخ.
[13] - سورة الرعد الآية 22 .
[14] - سورة البقرة الآية 265 .
[15]  - سورة البقرة الآية 272 .
[16] - انظر : الطرق الحكمية في السياسة الشرعية 232 ، مصدر سابق .
[17] - سورة آل عمران الآية 110 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق