الاثنين، 24 مارس، 2014

أهمية الحسبة ومشروعيتها



أهمية الحسبة ومشروعيتها :
وفيما يلى سأقوم بتوضيح أهمية الحسبه من الكتبا والسنة ، حتى نوضح أهميتها وضرورة القيام بها ولا يمكن الاستغناء عنها أو استبدال غيرها بها .
القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهامه العظام التي بُشر بها في الكتب السابقة ، كما قال تعالى : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر) ([1])وهو كذلك من صفات عباد الله المؤمنين التي مدحهم بها، والتي تميزهم عن المنافقين ، كما قال سبحانه : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر )  ([2])، وقال عن المنافقين : (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوف)([3]) فقد وصف سبحانه المؤمنين بهذه الصفة ووصف المنافقين بضدها ، قال القرطبي : (( فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين ، فدلَّ على أن أخص أوصاف المؤمن : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه )) ([4])
وقد ذكر سبحانه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات الصالحين الذين يطمع كل مسلم أن يكون منهم فقال : ( مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ . يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ) ([5])قال الغزالي: (( فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ))([6]).
-       أنهما سبب الخيرية لهذه الأمة ، التي جعلها خير الأمم لقيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما قال تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )([7]).
-       أنهما سبب للنصر والتمكين ، وواجب من واجبات من مكَّنه الله في الأرض ، كما يقول تعالى : ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)([8]). فمن نصر دين الله وجاهد أعدائه وأقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد نصر الله وبذلك يستحق النصر من عند الله القوي العزيز ، فإذا انتصر فإن الله شرط عليه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليستمر نصرهم لدين الله فيستمر نصر الله لهم، قال الضحاك : (( هو شرط شرطه الله عز وجل على من آتاه الله الملك )) وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم ، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله ، وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر .. )) فقد وعد رسول الله أصحابه بالنصر والفتح واشترط على مَن يدرك النصر أن يتقي الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويستمر هذا الوعد على مرِّ العصور .
-       أنهما سبب لحصول الثواب وتكفير السيئات ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة يؤجر عليها المسلم ، كما روى الترمذي عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( .. وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة .. الحديث )) وهو صدقة لأن الآمر قد بذل الخير للآخرين وأرشدهم إلى ما ينفعهم ، وحذرهم مما يضرهم ، فأجره عظيم ، لأن نفعه متعدٍ للآخرين .

إن ترك الاحتساب سبب للعذاب ، فالأمة التي لا يقوم أفرادها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ تصبح أمةً تعمّها المعاصي والمنكرات ، وتتفشى فيها الأمراض الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية فتكون أمة لا تستحق البقاء ، كما روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي بكر الصديق أنه قال : (( يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) ([9])، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب منه )) وفي رواية ابن ماجه : (( إذا رأوا المنكر )) وفي رواية عند أبي داود : ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمَّهم الله منه بعقاب )) ، وروى الترمذي عن حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر ، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم )) فترك الاحتساب موقع في العذاب والهلاك ، وعدم استجابة الدعاء ، وهذه سنة الله في الخلق ، فأيّ أمة تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيأتيها العذاب والهلاك ، قال سبحانه : ( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ. وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُون) فأخبر سبحانه أنه لو كان في الأمم السابقة من ينهى عن الفساد لنجوا من العذاب الشامل ، قال ابن كثير : (( أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين )) وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : ((كان يقال : إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة ، ولكن إذا عمل المنكر جهاراً، استحقوا العقوبة كلهم )) وروى البخاري ومسلم والترمذي عن زينب أنها قالت لرسول الله صله الله عليه وسلم : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : (( نعم إذا كَثُر الخَبَثُ )) وهذا يعني أن كثرة الخبث وانتشاره سبب للعذاب ، ولا سبيل إلى الحدِّ من انتشاره إلا بإنكار المنكرات ومحاربة أهلها ، وروى الترمذي في حديث آخر عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف )) فقال رجل من المسلمين : يا رسول الله ومتى ذاك ؟ قال : (( إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور )) وهذا يعني أن ظهور المنكرات سبب آخر للعذاب حتى ولو لم تكن كثيرة ، ولعل سبب ذلك أن المنكر لا يكون ظاهراً إلا إذا كان لدى أصحابه من القوة والنفوذ ما يخول لهم القيام بما أرادوا ، أو عندما يكون الناس قد بلغوا من الضعف والمهانة إلى درجة مَنْ لايعرف معروفاً ولا ينكر منكراً .

وقد قال تعالى في موضع آخر : ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)([10]) قال ابن عباس في معنى هذه الآية : (( أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمّهم الله بالعذاب )) . فليس في الإنكار فتنة وإنما الفتنة في تركه ، كما دلت عليه هذه الآية ووضحه شيخ الإسلام ابن تيمية في كلام له يطول نقله.
أن تارك الاحتساب ملعون على لسان أنبياء الله ورسله عليه السلام :
قال تعالى : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ([11]).
هذا من بعض النقاط التى توضح أهمية الاحتساب ودروه الكبير في صلاح المجتمع .



[1] (الأعراف: من الآية157)
[2] (التوبة: من الآية71)
[3]  (التوبة: من الآية67)
[4] [ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4/47) ].
[5] (آل عمران:113-114)
[6] [ الإحياء للغزالي (2/334) ]
[7] (آل عمران: من الآية110)
[8]   (الحج:40-41)
[9] (المائدة: من الآية105)
[10] (لأنفال:25).
[11] (المائدة:78-79) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق